Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
17˚C
صافي
2017-08-17
13 ˚C الصغرى
19 ˚C / 13˚C 2016-02-14
20 ˚C / 14˚C 2016-02-15
21 ˚C / 14˚C 2016-02-16
26 ˚C / 16˚C 2016-02-17
عن الكاتب
كاتب وقاص عراقي
يا سوادي... ج 3
2017-06-12 19:23:47

يا سوادي...
سيناريو مفترض لأغنية مسعود عمارتلي
الجزء الثالث
السمّنانة
أحبّتي.. ما يسوّغ لي الحديثَ عن سوادي وزهرة، هو أني أحبّ، لذا يحقّ لي أن أنصحَ وأن ألومَ.. هكذا علّمني تورغنيف.

على جرف المعيّل، ركضت زهرة بأقصى ساقيها وكفّها على خدّها، وعلى مؤخرتها تلطّ
گصيبة لها لون الكحل. تبعتها كلاب السلف بصمتٍ وهي تتطلّع إلى وجهها الذي بدا أشبه بنزيزة. دخلت بيت إحدى خالاتها. قالت بانتحاب:
ـ خاله تعاي لَيّه.
ـ سالمين؟!
وقبل أن تجيب بحرف دخلتْ أمّها. قالت بارتعاد العلاوي حين يتعلّق الأمر بالشرف:
ـ شتگلج؟! عَيّارة وبوله. زهيرة عشگت الصبّي!
فسرى الارتعاد نفسه إلى الخالة التي بدت أكثر هدوءًا برغم أنها أصغر من أم زهرة بكثير. قالت وعيناها تستطلعان جسد زهرة الفائر باستداراته وأقواسه وخرائطه المتناسقة كأنّها تراه أوّل مرّة:
ـ على يا خد سطرتچ امچ؟
قالت هذا وهي تدنو من زهرة التي أسندت جسدها على عِدل يرتفع على مَحمَل. ومن دون انتظار لإجابة لطمتها بقوّة على خدها الأيمن فأسقطتها.
لم يكن سوادي يفعل شيئًا حينها أكثر من فرك كفّيه وتقليبهما وهو متسمّر في مكانه، متأملاً البرگة الواسعة. ثم دخل صريفته. سأل أمّه بلوعةٍ:
ـ آنه شسوي؟
لم تجبه. اكتفت بإطلاق حسرة طويلة عرف منها أنها لا تعرف أكثر مما يعرف. قال لها كأنه يطرد الفوضى التي اعترت رأسه:
ـ يمّه، لخاطر شميت هيه أريد چاي.
وجلس. لم يكن جلوسًا، كان سقوطًا أو تهالك اليائسين.
في الفضاء المقابل لباب الصريفة لاحت سمّنانة تجاهد من أجل خلاصها، فلم تجد بدًّا من دخول الصريفة. جاء دخولها سريعًا وهي تخفق بجناحين أثارا زوبعة غبار صغيرة. لاذت بسوادي، احتمت بظهره حتى لامسته، لكنّ العتوي السمين كان أسرع وأكثر جرأة، فالتقطها بفمه ومخالبه، وفرّ بها عبر الباب:
ـ بشت... بشت... بشت.
حدث الاغتصاب بشكل سريع جدًا، وانتهى إلى فرار العتوي بالسمّنانة، التي وهن خفق جناحيها. سرعان ما يئس سوادي من إنقاذها بعد أن فقد أثر العتوي في امتداد الطَحَمة الكثيفة الممتدة خلف الصريفة.
عاد أشدّ حزنًا واكتئابًا وجلس بانتظار الچاي.
قال كأنه يرثي نفسه أو يجلدها..
ما حميت السمّنانة.. من العتاوي... صبّي آنه
طير يدخل ما حميته... شلون احمي اللي هويته؟
شوكت يا ربّي الميته؟.. هالعمر ما يسوه عانه.
لم يكن يدري إن كان يغنّي أو ينعى أو يبكي.
في عيني سوادي بدت البرگة أوسع مما هي عليه بكثير، ومضيف السادة كأنّه ايشان أو جلعة أو مفتول في عُلوِّه. اليأس هو أوضح ما في نفسه. تسلّل إلى روحه يقين أن زهرة تبكي الآن.. لا بدَّ أنها تبكي. حاول أن يتماهى مع بكائها، تمنّى أن يبكي كما تفعل النساء اللائي حسدهن على مطاوعة عيونهن للدمع. مدّد ساقيه باتجاه باب الصريفة وعيناه شاخصتان على الفضاء الذي اعتادت زهرة الوقوف فيه لتومئ له كلّ فجر وكفّه تخوط باستكان الچاي. أطرق، وأباح لدمعه أن يتساقط في حجره. لم يحرّك ساكنًا حين سمع أمّه تخاطبه من خلفه:
ـ يمّه انت الدولبت روحك.
جعل من منظر السمّنانة المفرفحة في فم العتوي قطبًا لحزنه ومهمازًا لاستدرار دمعه المتقاطر.
***
أرضيتَ يا المعيّل؟ هل اشتفيتَ؟ هل امتلأتَ غبطةً وأنت تدّخرُ غزارة الدمع لصيهودك القادم؟ أوووف أووف.
ففي الضفة الأخرى منك، ليس بعيدًا جدًا عن المضيف، ظهرت أوّل أمارات العزلة الوجوديّة القاسية، أو الوهم، أو الخلط الهجين بين ما هو حقيقي ومتخيّل في رأس زهرة. فبعد أن سقطت على اثر السّطرة على الأرض تخشّبت أطرافها وعضّت شفتها السفلى بقوّة. ومع أنها مقطوعة الصلة مع العالم والوجود لكنّ دمعها لم يكفَّ لحظة.. كان يجري بإصرار لم تفهمه العلويّة أم زهرة التي تنازلت عن جبروت الچويملية التي تتنفّس من خاصرتها، فقالت:
ـ يمّه شمالها بنيْتي؟
انحنت فوقها وهزّتها:
ـ زهرة.. يمّه.
كانت مخيلة زهرة في حينها مترعة بصورة جميلة لسوادي وهو يحتضنها، وقد اعتمر شطفة سوداء داكنة تعطّ منها رائحة كالتي تشمّها في شيلة أمّها، ولفّ خصره بوشاح أو حزام أخضر زاهٍ. وبرقت في جانب من ذاكرتها المهلهلة صورة لإمام أو وصيّ، رجل يشعّ بهاءً وقد توزعت كفّاه على رأسيهما، هي وسوادي، تمسّدهما بحنو كبير.
ثم رأت وجه سوادي وهو يبتعد، ويتجه نحو المعيّل ليغطس فيه.
حين أفاقت بحلقتْ في الوجوه الكثيرة التي أحاطتها. بدتْ عيناها أكثر اتساعًا وحمرةً. كانتا تدوران وهما تبحثان عن شيء، وقد خلتا من أي معنى أو دلالة.
قالت بصوت ليس صوتها:
ـ أريد شواي أميّه.
لكنّها لم تنتظر. نهضت بسرعة وهرعت نحو المعيّل، وقد لاذ عربيد گصيبتها تحت أبطها، وهي تردّد بلا انقطاع:
ـ تانّي يا سوادي.. اخذني وياك.
ورمت نفسها فيه، في الخورة القريبة. هل كان عطشها بهذه القسوة؟ أم أنها لبّت دعوة سوادي للحاق به إلى الفردوس المتوهّم الذي كثّفته روجات المعيّل الماكر ودهلته؟
كانت الصتيتة عالية، سمعها سوادي، تلاها صراخ عال للعلاوي ونساء السلف اللائي احتشدن على الجرف وقد ارتفعت أذرعهن في الهواء وارتعدت أصابعهن..
كانت الخورة عميقة جدًا وحركة الماء فيها دائريّة وسريعة بحيث اختفى جسد زهرة كلّه باستثناء گصيبتها التي دارت مع الماء فارتعد الحرش وابو دبيلة وفرّ بعيدًا.
رمى أحد السادة بنفسه في الخورة بعد أن خلع عگاله وشطفته. كانت الدوّامة قويّة للحدّ أن السيّد اختفى هو الآخر، لكنه نجح أخيرًا في إبعاد زهرة عنها.. ساعدته گصيبتها التي لفّها على ذراعه. وجرّها نحو الجرف.
***
الأيام، برغم كثرتها وتكرارها الرتيب، لن تغفر للمعيّل سطوة ضيمه الذي أغدقه على سوادي وزهرة. لذا لعنته العصافير ورفيف أجنحتها برغم أنها تشرب من مائه، ولامته زهيريات وأبوذيات ردّدها مغنّون حالمون، وقلوب تخفق بشدّة لمرأى العيون الآسرة.
ولي وقفة أخرى....

اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 85 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم