Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
17˚C
صافي
2017-06-29
13 ˚C الصغرى
19 ˚C / 13˚C 2016-02-14
20 ˚C / 14˚C 2016-02-15
21 ˚C / 14˚C 2016-02-16
26 ˚C / 16˚C 2016-02-17
عن الكاتب
كاتب وقاص عراقي
يا سوادي..ج5
2017-06-15 17:54:32

يا سوادي..
سيناريو مفترض لأغنية مسعود عمارتلي..
القسم الخامس
هلهولة
بقلم أحمر كقلم الرقيب، احذفوا ما لا يروق لكم من الضيم.

كانت مباغتة وعالية وسريعة، كأنّها فسيوة الواوي. هي هلهولة، لكن المعيّل عرف كيف يحيلها إلى ما يشبه الحشيم، فغدت كأنها "ها الاولاد ها" في استثارة غضب الكلاب لتزمّجر وتنبح بوجه الريح، وتوحي للدجاج أن ثمة ما يريب، فخفق بأجنحته محاولًا الطيران بيأس، وكفّت الشفوجة الكسولة عن الاجترار ونهضت وقد ارتفعت آذانها استعدادًا لقتال ضار، وكادت المشاحيف الراسية تنقلب وتطمس. هلهولة، لا أحد يدري إن جاءت متقدّمة على أوانها أو متأخّرة عنه، لكنّها ستصلح مقدمةً مدهشةً لحكايات طويلة في ليالي مسيعيدة حول مواقد المطّال المستعر، تُستهلُّ بضحكة أو أنّة:.... وهلهلت العلويّة من سمعت سوادي يگول اريد اصير مسلم.....
دبّت الگعيبة وزهير البط ذو الزهور الصفراء نحو الفراغ الهائل في روح سوادي لتملأه، وأحاط الحلبلاب الغضّ قلبه بستار سميك ليحميه من خيبة قائمة وأخرى في طريقها إليه. كان استكان الچاي الذي قدّمه السيّد قلقًا، يطلقُ صوتًا ناعمًا بارتطامه بالصحن. تأمّله سوادي وهو يطيل الخوط بملعقة صدئة. ثمة صورة لعليّ يهوي فيها بسيفٍ بدا طويلًا جدًا على رأس أحدهم. سأل سوادي بخشوع مع رنين الخوط وقلق الاستكان:
ـ ياهو هاذ؟
ولم ينتظر جوابًا. سمعته العلويّة وهو يقول:
ـ سيّد، آنه جايك بشغيلتين. أريدك هسه تروح وياي لمضيف السادة حتى اسلم....
فهلهلت.
ابتسم سوادي، لكن مسيعيدة قالت فيما بعد أنه ضحك أو بكى، وهو يكمل:
ـ والشغيلة الثانية أگلك عليها واحنه بالدرب.
ترى، ما الأمر الذي رفض سوادي التحدّث عنه إلاّ وهو يدفع مشحوفه في المعيّل باتجاه المضيف المهيب؟
زعم المنصفون فيما بعد، أن الحياء اعتراه فآثر ألاّ يسمعه أحد غير السيّد. فقد قال وهو يتوسّط النهر الذي سيشهد النكبة:
ـ أريدكم تطّهروني.
لكن للمعيّل، الذي يؤوي الرفوش والحيايه وابو الحكم وابو الزمّير، رأيا آخر، فقد أشاعت مياهه التي تجري سريعًا، أن سوادي طلب من السيّد أن يخطب له زهرة. وتكمل المخيّلة التي يحوم فيها حرمس الخيبة كغيمة كثيفة أن السيّد خلع عگاله وساط به ظهر سوادي ووجهه.
لا أحد يدري ما الذي جرى على وجه اليقين غير المعيّل، وهو الآن أرضٌ يبابٌ.
***
في المضيف، كان السيّد ساكنًا وعيناه لا تغادران مسبحته اليسر السوداء. جلس سوادي أمامه بالضبط وقد أدنته شطفته المنقطة بالأسود من رؤوس السادة التي اعتمرت شطافي سوداء وخضراء.
قبلها بليلة، قبل الهلهولة، قالت العلويّة، التي تمشي برهدنة الچويمليات وتتكلّم مثلهن، للسيّد وهو يدنو منها مستغلًا الصمت والعتمة:
ـ شوفلك چارة لزهرة گبل لا نشتهر.
وسردت عليه أنباء إيماءات الفجر لزهرة وتنهداتها وهي تزفر اسم سوادي في نوم مضطرب. وقالت حين كفّت يد السيّد عن هصر ثدييها:
ـ بلوه.
أعاد سوادي الشهادة مرّات. وحين يصل في كلّ مرّة إلى عبارة عليّ ولي الله يختنق صوته وتمتلئ عيناه دمعًا، فسّره العارفون ذوو الحكمة بأنه دمع الفرح الغامر، دمع الزهو لأنه خطا خطوته الكبيرة نحو زهرة، ولا علاقة له بحبّه الطارئ لعليّ. أما ظرفاء شطوط مسيعيدة فقد قالوا أنه دمع الخوف من الطهور.
كان يمكن للمعيّل، لو لم يكن متواطئًا مع الطناطل، أن ينبئ سوادي بوهمه الكبير، أن ينصحه بگطع الظنّة من زهرة، فالسادة لا يزوّجون بناتهم للمسلمين مثلهم من غير نسبهم، فما بالك بالمندائيين وإن أسلموا. لماذا لذّ له الضحك على سوادي فأوهمه أنه معه من ذنايبه لسدوره؟ ما الّلذة من خذل الوحيد الغريب الذي لم يجد غير الحبّ ليتدرّع به؟!
ساد صمت ثقيل في فضاء المضيف، قطعته زهرة بإطلالة غير متوقّعة أبدًا. كانت الإيذان الأوليّ باضطرابها الكبير، هو البداية القاطعة التي أجبرت الناس على القناعة أن عقل زهرة ليس على ما يرام أبدًا، وأنها في طريقها إلى السوادين. وقفت عند باب المضيف، فحجزت الضياء من فرصته الوحيدة ليصطدم بالرؤوس التي أطرقت ما أن سمعتها تقول:
ـ ياهو هاذ.. سوادي؟ يعابيك الحسين.. شسويت بيّه؟
موقف أخرق فاضح، زاد من إطراقة السيّد نحو الأرض.
كان الگهوجي واقفًا قريبًا من الباب، فأسرع نحو الكانون، وضع الدلّة والفناجين بإهمال، واتجه نحوها.
قالت وهي تنظر إلى أبيها:
ـ بويه آنه أموت خلاف سوادي.
أمسكها الگهوجي من ذراعها، وقادها نحو الفضاء الواسع الذي يلي الباب، ومع هذا فقد سمعها الجميع وهي تردّد ما يُعدّ الشرارة الأولى للأغنية التي ستلبث طويلًا في ذاكرة مسيعيدة والعمارة والعراق كلّه:
ـ يا سوادي الخالات طلعن غرايب... وگليبي من فرگاك شاف المصايب.
لأنه قديم قدم الأرض، علمَ المعيّل أن زهرة ستعيد ترديد الدارمي نفسه بما يشبه الثغيب بعد حين.
سرعان ما عاد الگهوجي، انحنى على الدلّة، قال وقد أودع صوته ثقته كلّها ببخت السادة:
ـ سيّد شيل شوفك... شني السالفة؟
لم يرفع السيّد رأسه، وصكّت أصابعه على اليسر. كان أقرب للموت منه للحياة.
أما سوادي فقد بدا كالمشرف على نوبة إغماء. كان جامدًا يابسًا، يُذكّر بالقبور في الإيشانات العالية القديمة. حاول أحد السادة طردَ الهبوط الحادّ في المزاج الذي خيّم على المضيف، فقال وعينه على سوادي:
ـ ولّم روحك.. باچر نطهرك.
لم يرد سوادي بحرف، لأنه لم يسمعه أصلًا. كانت فرصه للموت قد تساوت مع فرصه للحياة ونافت عليها. لم يعد يدري هل ينخه عليًّا الذي قَبّل صورته قبل ساعة أم يستعطف شميت هيّه ويستجديه بألّا يتخلّى عنه وإن تنكّر له بدينه الجديد.
امتدت يده إلى طرف شطفته، ومرّره على عينيه. هل كان يمسح دمعًا، أم أنه اختار إخفاء عينيه القمحيتين عن الگهوجي الذي نظر له كما ينظر لجثة كلب منفوخة غزاها الذرّاع؟ لا أحد يدري سواه.
آه يا المعيّل.. ألا يحقّ للناس أن يسمّوك العايل بعدها؟
ولي وقفة أخرى...

اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 25 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم