Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
21˚C
مشمس
2018-05-27
13 ˚C الصغرى
24 ˚C / 13˚C 2016-02-14
25 ˚C / 14˚C 2016-02-15
26 ˚C / 14˚C 2016-02-16
28 ˚C / 16˚C 2016-02-17
عن الكاتب
كاتب وقاص عراقي
الدمع تتويج شاهق للجمال..
2018-02-25 22:40:13

يباب
 الدمع تتويج شاهق للجمال..

مات الأگرح، وتلاه العديل والمعيّل والاعيوج. جدب زاحف بإصرار شقّق قيعان الأنهار والخرور التي كانت صاخبة بسرعة جريان الدهلة والزود فيها، فانسلّت منها كائنات غريبة، لها هيأة الرفوش، غير أنها أصغر ولها لون لاصف تحت الشمس التي لم تحجبها سحابةٌ واحدة طوال شهور الجدب. وفي الچيح الصغيرة الآسنة لقيعان الأگرح العميقة لبطَ زوري هزيل أعمى ذو حراشف معتمة قبل أن ينفق بالآلاف. وتلوّنت ضفافه، التي نما فيها الشوك والعاگول والحنظل بغزارة، بلون كالح لما لا حصر له من الرگوگ، فكانت صيدًا سهلًا لكلاب سائبة. زرّات ذئاب تعوي ما إن تغيب الشمس عن أراض تمتدّ حتى الأفق، فتضطرّ الكلاب إلى مضاعفة نباحها حتى الصباح. جدب، جدب لم يشهده الأگرح أبدًا انحنت لوقعه جذوع النخل السامق، لتأخذ شكل سجود اضطراريّ طارئ.
تحت واحدة من هذه الجذوع مات بهيدل المنغولي. وجدوه محاطًا بالكثير من الكلاب وهي تلحس لسانه العريض الغليظ. كيف مات؟ لا أحد يدري. لا أثر لجرح في جسده، فركن الناس إلى أن عبدالشطّ، الذي شوهد كثيرًا يملغط جسده ببقايا الريزان الثخين القوام، أرعبه فمات فجأة. لم يبكه أحد غير موحي أبيه الذي احتضن جثته طويلًا.. 
*** 
 بدا الچادر خاويًا حتى في عصر اليوم الثالث للفاتحة. نهض موحي من مجلسه في بداية الچادر وقد عزم على شيء كبير. قال:
- يا الله
واتجه إلى نهاية الچادر حيث يجلس صباح الغنّامي صاحب الصوت الجميل. دنا منه جدًا، وقال له:
 - أبو نور.. بهيدل مات وبس هوَّ عدّي.. واليوم ثالث. صدگ هوَّ منغولي، بس شعزّاته عدّي... أريدك تغنّي. 
 ومن دون أن يستمع لردّ صباح اتجه إلى أقصى الچادر، ووضع كرسيًا بطريقة متقاطعة مع اصطفاف الكراسي، ثم عاد ليدنو منه. قال:
- يا الله أبو نور. الوادم ملّت القرايات. غنّي لضيمنا. وعينك هالتشوف.
- موحي.. انت بس لا تسودنت.
- وداعتك أهيّس روحي كلّش مرهدن هسّه.. گوم. 
 كان الجالسون بجانب صباح قد سمعوا طلب موحي الغريب وسرعان ما آزروه فانهالوا على صباح توسّلًا ملحًّا، فنهض. قال:
- أريد صينيّة.
 كانت كواسر الچادر مرفوعة برغم أن الفصل شتاءً. وثمة بوخة تطلقها الأرض القاحلة التي صفعتها شمس ساخنة بدت قريبة.
وضع صباح الصينيّة على ركبتيه وأرخى كفّيه فوقها. غنّى، أو نعى بالطريقة المهيونيّة:
- العايف بروحي جرح ما سامحه... لا وحگ ذيچ الدموع المالحة
المايروف الچلمة ويخيّطها زين ... هذا من يموت هم ما سامحه
 حين تأكّد السادة، الذين تصدّروا الچادر، أن ما انساب إلى أسماعهم غناء نكتوا عباءاتهم وانصرفوا من دون أن يعيدوا الفاتحة. أما الباقون فقد نهضوا سراعًا واختاروا كراسي قريبة من صباح. أنصتوا وقد فارقت ظهورهم المساند. كانوا ينظرون إليه وهم على يقين أن ما يمرّون به لم يمرّ من قبل، ولعلّه لن يمرّ. لذا كفّت حتى جفونهم عن أن تطرف. 
 لاحت أولى أمارات التفجّع على صباح حين انشغل بتلوين عبارة: من يشوفكم يفتره گلبي... فتسلّل تفجّعه إلى المتحلّقين حوله بأرواحهم قبل عيونهم وآذانهم. لا شيء لديهم يحتمل المضاعفة غير حزنهم الذي تباروا في إبدائه وكأنهم في منافسة لغزارة الدمع وسرعة انسكابه، فترطّبت أطراف شطافيهم، غير أن أحدًا لم ينتحب أو يثغب. أما حين قرّب صباح الصينيّة من وجهه وبدا كأنه يناغيها بأطراف أصابعه وهو يقول:
- رضيت بحكمة الباري وجسماه.. رغم بركان دلالي وجسماه.. ضناي وبيدي غسّلته وجسماه ..  واريته بلحد والآه بيّه
تعالى النشيج، وكان موحي أوّل من ثغب... 
 من الواضح أن صوت صباح قد داهم حواس مستمعيه بما لا قدرة بهم على احتماله، فانتفض أحد الباكين وشقّ زيج دشداشته للگاع. وقام آخر واحتضن صباح وقبّله من فمه عدّة مرات:
- يا بعد حلگي حلگك
 حزن باذخ نبيل عمّ الچادر أنعشته ريح شرقية حرّكت كواسره. اخترقته وواصلت هبوبها فأطاحت بالكثير من السعف الميّت على ضفتي الأگرح. نسي الناس أشياء كثيرة في لجّة الطارئ المباغت من الحزن، أوّلها أنهم في فاتحة، وانشغلوا بمراقبة قدرتهم على الامتثال لتلاوين الفجيعة في صوت صباح. أما حين بكى صباح نفسه وتوقّف عن الغناء حاجبًا وجهه بالصينيّة نهضوا جميعًا ودنوا منه. قال له أحدهم وكأنه يوجز ما عجز الحشد الباكي عن قوله:
- لا يا صباح.. البچي خلّه علينا.. انت بس وِن. 
وهكذا عاود صباح أنينه. 
 كانت الشمس قد مالت كثيرًا نحو الأفق وتركت خيوطها الدامية على السطوح المهلهلة للطواني والصرايف، وظهور الدواب الضامرة العجفاء، والكلاب السائبة، والجذوع السود للنخيل، وشقوق الأرض التي بدت كجروح عصيّة على الاندمال، وچيح الأگرح الآسنة وخروره الكثيرة، والمحارز الخاوية، والرؤوس المدببة للزور والعاگول وثمار الحنظل، وأجنحة نسور حائمة كثيرة، ووجوه نسوة متشحات بسواد بدت عيونهن مزدانة ببريق ألم وامض، ومشاحيف وطراريد مغروسة في أرضٍ حِماد كأنها جثث بانتظار دفنها. 
 بدا صباح ومن حوله هم الوحيدون الجادّون ببكائهم في فوضى أو مهزلة لا عهد للأگرح وما حوله من الشطوط بها. ربما أرادوا دموعهم الغزيرة توسّلًا أو استعطافًا أو مقدمةً لمطر، مطر غزير كالعوّة في الربيع.. فهم وحدهم الموقنون أن بهيدل مات ظامئًا بطريقة ما، وأن الدمع والمطر كلاهما ماء، وأن الله لن يضيق بدمعهم أبدًا أبدًا، وأنه قد يبكي معهم.

اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 207 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم