Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
{TEMP_C}˚C
{LANG_AR}
2019-06-18
˚C الصغرى
عن الكاتب
كاتب وقاص عراقي
ستار جبّار الجنوب نقطة هي الأقصى عن المباهج، بدلالة "أفزّ بالليل".
2019-05-23 00:13:34

.

     كتب الطبيب بخطّ أنيق بعد أن تأمّل وجهك الساكن الجميل: اسم الميّت ستار جبار ونيسة، ولد في محلّة السيف بالناصرية عام 1946. سبب الوفاة تشبع الدم بثاني أوكسيد الكاربون الثقيل وحروق من الدرجة الثانية والثالثة في مواطن مختلفة من الجسم. ثم قلب الورقة وكتب على ظهرها: سبب الوفاة الحقيقي غزارة الأنين المنغّم الماكث على مدى سنين طويلة بدأها المتوفّى من صرخة الميلاد حتى حريق بيته في الرحمانية في آذار عام 1991. ولأن الطبيب فرغ للتوّ من سماع "أفزّ بالليل" كتب: أقرّ أنك، أيّها الميّت المسجّى أمامي، نجحت في الابقاء على نكبتك مموسقة منغّمة لتمنح ذاكرتنا صلابة الابقاء عليك حيًّا. وختم تقريره بعبارة صوفية ورعة لا علاقة لها بمهنته: الموت ليس خسارة دائمًا، لأنّ البعض حيّ وإن مات.. وختمَ فوق تقريره.

     أما أنا، ومعي كثير، فأقرّ أنّي حين أسمعك، أجد عندك ما أحتاجه لمواجهة أهوال الانفراد بالعتمة الخاوية على وسادة ما زالت تحمل عطر حبيب غاب، وكان يمكن ألّا يغيب. صحيح أن الليل الذي لملم أنينك يخصّك وحدك لكنه لم يعد حكرًا عليك بعد أن سمع الناس الأغنية، فكانت الوحيدة التي يشاركك الأنين فيها الكثير وللسبب الذي أدماك نفسه. أغنية يسمعها كلُّ من افتقد رائحة نوم نثّها وجه حبيب وعنقه وشعره المنعثر سالت ذات وئام على مخدات لها لون النقاء وبهجة التمدّد باسترخاء للإبقاء على حلم نخاف تبدّده. أغنية ناضجة راشدة، للراشدين والراشدات فقط. أغنية ترصّن نفوس مستمعيها وأرواحهم ضدّ الفقد الطارئ لأنّ في ما تقوله كلماتها يشبه ما يتلوه الملقّن علينا قبل أن نلج العتمة النهائيّة وحدنا، مع ما فيها من طمأنة رحيمة كتلك التي نجدها في أحضان أمهاتنا، فدقائقها القليلة تمنحنا القدرة على الاستغناء عمّا سواها مادامت أذرع أمهاتنا تطوّق أعناقنا. أغنية ترشد بحكمتها الرصينة إلى فضائل اختلافنا الجنسيّ، وتحذّر من امكانيّة فراق غير متوقّع تتخطى عفّته المعنى الايروسي، فنحن موجودون بصيغة الذكر والأنثى، لكنّ الليل، الذي ساوى لليالٍ طوال بين شهيقينا وزفيرنا، ووحّد رأسينا بحلم واحد على فراش واحد، يمكن أن يكون هو هو مَن نفزّ فيه بعد أن تعود كفوفنا خاوية خائبة من سخونة جسد شاركنا طويلًا الفراش نفسه. ألم أقل لكم إنها أغنية راشدة، وكأنّها حكر على المتزوّجين فقط؟ لكنّها، في الوقت نفسه، تصلح لأي عاقل حكيم أو عاشق لا يملك غير أسلحة مخيّلته، ليدرؤوا بها وحشة الليل وغموضه، فهي تبيح لهم امكانيّة التمدّد على فراش متخيّل من صنعهم، يعرفون قبل غيرهم أنه يضاهي في جماله ودفئه "السُرر الموضونة" ما دام يكفي لجسدين بقلب واحد.

    لا أدري لِم تجرجرني هذه الأغنية لوادي السلام، مع أن نكبة فقد الحبيب، الذي شاركنا الفراش نفسه وتوسّد رأسُه ذراعنا، لا تنتهي بالموت وحده، فهناك الطلاق والهجر. لكنّ الحكمة الشعريّة تقتضي استبعاد هذين السببين والاكتفاء بالموت وحده بوصفه الوحيد الذي يُبقي على الذكرى مشعّة ومبهجة برغم ألمها. أغنية اختصرت وجود مطربها ومَن يشاكلونه من الفاقدين، فكأنّ كلَّ ما عداها من أغنيات، برغم كثرته، غدا هامشًا لمتنها، فهي "أفزّ بالليل" وكفى بها دليلًا على الوجع غير الآبه بما سواه. أغنية لجلدها لون قلبها نفسه، الأبيض المدميّ، كوجوه مخدّاتنا وهي تتلقّى دم عيوننا بعد أن استنفد الدمع المائي قدرته على ارضاء نهمنا إلى التفجّع. أعرف وتعرف، يا ابن ونيسة، أن ما يتركه الحبّ هو الأوضح في ذاكرتنا والأسطع من بين ركام المألوف والعاديّ الباهت في حياتنا. لهذا فقط يُطرق الفاقدون وهم يردّدون معك وبعدك: لا ليلي عگب عينك... ليل ولا نهاري نهار.. وعمر المنگضه ويّاك حفنة تبن ما يسوه.. 

أجدك مختلفًا يا ابن ونيسة، بجنوبيّة ناصعة، زادها دمُ مندائيّة أمّك نصوعًا، لذا تجدني أحبّك. ولأنّي كذلك ما آويت إلى فراشي إلّا وتذكرتُ: أفزّ بالليل، نصّ الليل وبنص نومتي الحلوة... وأروّي مهجتي بدموع عيني وحيف ما تروه.. 

رحمك الله يا ستار.. 

ورحمك الله يا محمد جواد أموري

ورحمك الله يا هادي الشربتي

                               ***

شكري وامتناني لصديقيّ الحبيبين:

سلمان الشويلي

علي ونيسة

اضيف بواسطة : balsam عدد المشاهدات : 255 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم