Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
{TEMP_C}˚C
{LANG_AR}
2019-07-24
˚C الصغرى
الإسلام.. العرفان والمساواة والحرية
سنة النشر : 2018
الناشر :
يرصد الكاتب حسن الصرّاف، في كتابه "ثالوث العرفان والمساواة والحرية"، الانتقاداتِ الموجَّهةَ إلى المفكّر الإيراني الراحل علي شريعـتي، أيام حياته، مِن قِبَل جهات في الساحة الدينية والثقافية والسياسية. ومن ثَـمّ، يقف على وُجهة "أدلجة" الدين واستعمالِه في إطار ثوريّ، كما رام شريعتي في حركته "الإصلاحية" للمجتمع. ويعرض الكاتب أبعادَ العرفان وعلاقته بالحضارة الإنسانية والدين، وملامحَ الاشتراكية والشيوعية بوصفهما حركتين تنشدان العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، ومرامَ الفلسفة "الوجودية" التي تنادي بتحرير الإنسان من "القيود" التي تفرضها الاشتراكية والشيوعية والدين... ليرسوَ الكاتب على حقيقة أنّ شريعـتي، الموسوعي الثقافة، كان يرى صلاحَ المجتمع البشري في تطبيق الطرح الإسلامي الذي يمثّـله النبي محمد (ص) وأهلُ بيته؛ وأنّ الإسلام، في جوهره، يشمل خيرَ الإنسان، الذي يجسّده العرفان وتنادي به الاشتراكية والشيوعية والوجودية كلها معًا. عاصفة رجال الدين التقليديين والجدُد ضد شريعـتي يصنّف الكاتب نقّـادَ علي شريعتي ضمن أربع فئات؛ فهُـم من رجال الدين، ومن المقربين من حكومة الشاه الإيراني الراحل محمد رضا بهلوي، ومن المثـقفين ذوي الميول الماركسية، ومن المثـقفين الدينيّين. لكن يلفت الكاتب إلى أنّ غالب الانتقادات الجادّة والعلمية نجـدها لدى الفئة الرابعة (المثقفين الدينيّين)، فتلك الثلاث الأخرى لم تنقده إلا لأسباب سياسية أو شخصية. أمّا فئة "رجال الدين"، فمنهم رجال الدين التقليديّون. وقد وصلت انتقادات هؤلاء إلى أوجها بعـد محاضرات شريعتي في "حسينية الإرشاد" في طهران. فقد شرع هؤلاء في مجالسهم العامة، وفي المساجد والحسينيّات (التي هي المراكز الدينية حيث تُـلقى المحاضرات الدينية والرثاءاتُ لأهل بيت النبي محمد(ص)، عند المسلمين الشيعة)، في حشد الرأي العام ضد شريعتي، وذلك على ثلاث مراحل؛ الأولى على يد رجال الدين الشعبيّين، وقد عُـرفوا لاحقًا بـ"مناوئي علي شريعتي العشرة"، فيما بدأت المرحلة الثانية على يد مجموعة من رجال الدين البارزين في "حوزة قُم" (في مدينة "قُم" الإيرانية)، والمرحلة الثالثة بدأت بصدور الفتاوى مِن قِبَل مراجع الدين. وكان ضمن الفئة عينها، "رجال الدين الجـدد"؛ وهم مجموعة من رجال الدين المثـقّـفين، اتّخذوا مواقف من فكر علي شريعتي. وقد برز من بينهم تيار "مدرسة حقّاني"؛ إذ انقسم أساتـذة هذه المدرسة وطلّابُها، بإزاء شريعتي، إلى فريقَين، أحدهما مخالف لفكر شريعتي والآخر مؤيّد له. كان الشيخ محمد تقي مصباح يزدي يتزعّم المخالفِـين، فيما تزعّم المؤيّدين السيدُ محمد حسين بهشتي. كان مصباح يزدي يرى أن شريعتي يعتقد بأنّ الوحي لم ينقطع، وأن الرسالات السماوية لم تنتهِ بنبيّ الإسلام محمد، في حين كان السيد محمد حسين بهشتي يؤكّد عدم وجود مثـل هذا الرأي في أفكار شريعتي، بل أنّ الأخير يرى في العقل بديلًا عن الوحي الذي انقطع بعد رحيل النبي. كذلك؛ كان من ضمن "رجال الدين الجدد" الذين تعرّضوا لأفكار علي شريعتي، "تيار مرتضى مطهِّري". كان أعضاء هذا التيار يجتمعون في "حسينية الإرشاد" حول المفكّر الشيخ مرتضى مطهِّري، ويديرون النشاطات العلمية والثقافية. ولكن بعد أن صعد نجم شريعتي، واشتهرت محاضراته في الحسينية، وبعد أن شرع في انتقاداته الشديدة لرجال الدين؛ حاولت جماعة مطهِّري التقليلَ من أهمية شريعتي وخفضَ صوته في المجتمع المتـديّن الإيراني. كان "تيار مرتضى مطهِّري" يقرأ الدين بوجوهه البارزة وأعلامِه، ويقف على المأثورات عنهم. أما القراءة التي تخصَّص بها شريعتي، فكانت تسعى إلى أدْلَجة الإسلام، وتَعُـدُّ رموزَه (من أمثال رسول الله والإمام علي والإمام الحسين وأبي ذر الغفاري) مجاهدين ومناضلين، وترنو إلى إسلام محـرَّر وباعث للحياة، تكون غايته إيجادَ التغيير في الإنسان والمجتمع، وهدايتَه نحو النمو والكمال. كانت للشيخ مطهِّري مواقف واضحة برفض انتقادات شريعتي لرجال الدين عمومًا، وانتقادِه للفيلسوف والفيزيائي الإسلاميّ الخواجة نصير الدين الطوسي، ولمؤلّفِ موسوعة "بحار الأنوار" الذائعة الصيت في الوسَط الشيعي العلّامة المجلسيّ. كما رفض مطهِّري قراءةَ شريعتي لقضية "الإمامة" (التي يَعتقد بها المسلمون الشيعة)، ورفض تأكيدَ شريعتي على وجود ودور "المثـقف" بدلًا من رجل الدين. كذلك؛ رفض مطهِّري نظرية شريعتي الداعية إلى إسلام من دون رجال دين، وعـدّها نظرية استعمارية تخـدم المآرب السياسية الغربية.. ورفض قراءة شريعتي للماركسية، إذ كان شريعتي يَعُـدُّ الماركسية منافسة للإسلام لا عدوّة له، وحدد أعداء الدين في الاستعمار الغربي وأعوانه من الأنظمة السياسية. هذه الأجواء المشحونة والمتأزّمة ضد شريعتي وأفكاره، جعلته يصرّح في أكثر من موقف باحتمال وجود الأخطاء العلمية والتاريخية في كتاباته ومحاضراته. فطلب من الشيخ محمد رضا حكيمي، في وصيّته له، تصحيحَ الأخطاء الواردة في مؤلفاته. وكان حكيمي ينتمي إلى تيار عُرف بـ"المدرسة التفكيكية" التي تنشد غربلة ميراث الوحي والنبوّة، وتفكيكَه. هـذا الميراث عـبّرت عنه "مدرسة أهل البيت" (الأئمة الذين يعتقد بهم الشيعة الإمامية)، وأراد حكيمي ومَن معه في "المدرسة التفكيكية"، تنقية هذا الميراث من العناصر الفكرية (القاصرة) الوافدة من أثينا والاسكندرية وفارس القديمة. وكانت هذه المدرسة تؤمن بفصل الدين (الذي أصبح مؤسسة اجتماعية-سياسية موالية للحاكم المستبدّ) عن الفلسفة والعرفان. فلا يمكن للشيخ محمد رضا حكيمي، إذن، بانتمائه الفكري والعقيدي، أن يجامل أو يتّخذ طرف الحياد إزاء الفتاوى والآراء المضادّة لفكر علي شريعتي المنسجم مع توجّه حكيمي. لذلك طلب شريعتي من شخص مثـل هذا الرجل أن يكون الفيصلَ في تشذيب آرائه. وبعد سنوات؛ قال حكيمي: "إني لم أجد خطأً جسيمًا في مؤلفات شريعتي يسيء إلى صِيته أو يجعل منه هزيل العقيدة والإيمان". انتقادات حاشية الحكومة البهلوية والشيوعـيين لشريعـتي كان علي شريعتي تحت مراقبة أجهزة الاستخبارات التابعة لحكومة الشاه بهلوي، وتمّ اعتقاله أكثر من مرة. وكان النظام الإيراني الشهانشاهي يرى في شريعتي مفكّـرًا وخطيبًا مناهضًا للحُكم، ويسبب له المشاكل ويحرّض الشباب ضدّه. وكانت هذه المشكلة من أهمّ الأسباب التي منعت شريعتي من بلوَرة مشروعه الإصلاحي وتأليف المزيد من النصوص العلمية. وعندما اشتُهِر شريعتي في الأوساط العلمية، برزت بعض الأقلام المأجورة التابعة لنظام الشاه، لتقابله على الصعيد الأكاديمي والثقافي. وقد وصل هذا المحور من الانتقادات إلى ذروتِه عند المفكر الشهير حسين نصر الذي عُـرف عنه ارتباطُه المباشر بزوجة الشاه، فرح ديبا، لإدارة برامجها العلمية والثقافية. صرّح حسين نصر في مؤتمر دولي خاصّ بالأديان السماوية، في مدينة هيوستن الأميركية، بأن الحريص الوحيد على مذهب أهل البيت، هو محمد رضا بهلوي، وأنّ شريعتي لم يكن إلا "ماركسيًّا لعينًا"!. ولم يسلم شريعتي من اعتراضات الشيوعيين حتى... فقد عـدّه كثير منهم من مروِّجي الرأسمالية، وعـدّه بعض آخر مناهضًا للحداثة. وكان الشيوعيون في إيران، إجمالًا، يعتبرون "حسينية الإرشاد" (حيث كان شريعتي يلقي محاضراته الفكرية) مركـزًا أسّسته الحكومة البهلوية من أجل مناهضة الفكر الماركسيّ والاتجاهات الشيوعيّة. المثقفون الدينيّون و"مثالية" شريعتي يرى الكاتب أنه لا يمكن وضع شريعتي إلّا في صفّ المثـقّفين الدينيّين. مع ذلك، فإنّ شريعتي تميّز عنهم بجمهوره الكبير. فقد وجّه شريعتي خطابه إلى المستويات المعرفية والفكرية كافّة، لذلك جاءت لغته طيّعة سهلة بعيدة عن التعقيد، وفي الوقت عينه مليئة بالتعبيرات الجميلة والأدبية. إنّ غالب الانتقادات التي وجّهها المثـقفون الدينيون، تفيد بأنّ شريعتي قد انتهى زمانه (آنذاك)، وأنّ البيئة الفكرية التي نشأ واشتهِر فيها، قد تغيّرت... وأنّ من لا يؤمن بهذا الرأي سيوصَم بالطوباوية!. وفي حيّز نقد كثيرٍ من المثقفين الدينيّين لـ"مثالية" شريعتي؛ فإنّ الموقف الغالب من هذه المثالية، والطوباوية الخيالية، هو أنها ضربٌ من الأمراض النفسية، لا جدوى منها إلّا عند اندلاع الثورات. وعليه، ينبغي على الطوباوية أن ترقد في مقبرة رقدت فيها الثورات!. إنّ المتبنَّيات السياسية التي يؤمن بها أصحاب هذا الرأي، غالبًا ما ترتكز على أسس ليبرالية، فلطالما كان الليبراليون يرفضون الأفكار الخيالية والحركات الجماهيرية لإحداث التغيير في المجتمع. إنّ الطوباوية، وفق هذه المنظومة الفكرية، تكون معادلة للراديكالية، لذلك صُنِّفَ طموحُ شريعتي لبناء المجتمع السليم ضمن الأفكار الطوباوية الاشتراكية. لكنّ شريعتي، بحسب الكاتب، يعي الفرقَ بين الإنسان المثالي الذي يبتغيه هو، والإنسان المثالي الذي تدعو إليه النظريات المبنية على أسس طوباوية وخيالية... إذ يقول: "إن الفاشية تتحدّث عن ’السوبر مان‘، ويتحدّث (المفكّر الألماني فريدريش) نيتـشه عن إنسان يرث الله. أما (الفيلسوف الألماني فريدريش) هيغل فإنه، في فلسفته التاريخية المبنية على المثالية الخاصة به، يتنـبّأ بمستقبل يتوصل فيه الإنسان إلى معرفة مطلقة، وسيجد اللهُ في مثـل هذا الإنسان نموذَه الأمثـل. وحتى قراءة مثقفينا للماركسية المبنية على المادية، تعبّر عن ’كائن اقتصادي‘ يكون بمثابة الإنسان الكامل الذي لم يتورّط في التخلّف والانحراف والطَّبَقية، ولم يصبح مِسخًا مشرذَمًا عابدًا للمال والاستثمار والشهوات؛ أي لم يكن ناقصًا بل كاملًا". ويشير الكاتب إلى أنّ المنهج الإسلامي الذي يقـرّه شريعتي، هو كشجرة طيبة، لا شرقية ولا غربية، أصلها في الأرض وفرعها في السماء. فشريعتي، كـ"الواقعية"، يرى الواقع الموجود في العلاقات الاجتماعية، وفي بناء المجتمع، وفي حركة التاريخ، خلافًا للـ"مثالية" (الطوباوية المعزولة عن الواقع).. ولكنّه – خلافًا للـ"واقعية" – لا يرضخ للأمر الواقع الذي يراه ويعيه، بل يغيّره ويبدّل ماهيّته بأسلوب ثوريّ، ويقوده في مسير مثاليّاته. المثقفون الدينيون و"اشتراكية" شريعتي يستعمل نقّاد علي شريعتي الأدبياتِ الليبراليةَ في تنظيراتهم السياسية. فمثلًا لا ينسب المفكّر عبد الكريم سروش التفكيرَ الاشتراكي إلى علي شريعتي فحسب، بل يذهب إلى وجود أثره الواضح في كتابات المفكّر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر، والشيخ مرتضى مطهِّري؛ ويرى سبب ذلك في مواءمة الفكر الاشتراكي مع الفكر الإسلامي، في حين أن الأدبيات الليبرالية – بحسب سروش – لا تروق للمفكّرين الإسلاميّين. لكنّ الكاتب يرى أنّ شريعتي لم يستعمل الأدبيات الاشتراكية إلّا لخدمة مشروعه الإصلاحيّ. ويستشهد، في هذا المضمار، بقول شريعتي: "نحن نرى أنّ الرأسمالية مقيتة يجب إزالتها، لأنها ضد الإنسان، وتدمّر جوهرَه، وتجعل من القيَم كلّها أرباحًا، وتبدّل الفطرة إلى مال، وتبدّل الإنسان الذي يجب أن يكون خليفة الله في أرضه، إلى ذئب مفترس أو ثعلب ماكر أو جرذ يعبد بريق المال، وتجعل الأكثريةَ قطيعَ غنم يرعى ممرِّغًا وجهه في التراب وهو ينتظر من يقصّ له صوفَه ويحلب لَبَنَه ويسلخ جِلده؛ وبالتالي يبيع عملَه، الذي هو أحد تجلّيات روح الإله في الإنسان، ليقبض بإزائه الأجرَ المادّيّ، وبالتالي يتبدّل هدف فلسفة الحياة المبنية على الوعي والكمال، من عبادة الله إلى عبادة الاستهلاك التي هي فلسفة حياة الخنزير". يقول الكاتب إنّ شريعتي يعتمد الاشتراكية لأنها تحرّر الإنسان من مستنقع البرجوازية، وتستأصل الروح النفعية والمادية وتخلق مجتمعًا حرًّا. ويرى شريعتي أنّ الاشتراكية لمّا تُوضَع في إطار الماركسية فإنّها تعجز عن القيام بكل هذه المهام. ولذلك قال: "إنّ ماركس يَعُـدُّ الاقتصادَ أصلًا علميًّا كلـيًّا للإنسان، ولكننا لهذا الدليل نفسِه نرفض الرأسمالية ونمقت الإنسان البرجوازي. كلُّ ما نأمله في الاشتراكية هو أنها لا تَعُـدَّ الإنسان والإيمان والفكر والقيَم الأخلاقية من نتاج الاقتصاد". أما في ما يخصّ أثر الاشتراكية على الإيمان والأسس الفكرية؛ فإن شريعتي هو من أوّل الرافضين لاستعمار المدارس الغربية، إذ عـدَّ الإسلامَ نهجَ السعادة الوحيد في الدنيا والآخرة، وعـدَّ الاشتراكية بحد ذاتها والليبرالية والرأسمالية مناهج مضلّة للمجتمعات الإسلامية. ووجد الرموز القيادية المثالية في "مدرسة أهل البيت"، وذهب إلى أن هذه المدرسة تحوي إيمانًا ووعيًا وقيادة وحكمة وَقِـيَمًا وجهادًا يناسب كل الأجيال. "البروتستانتية الإسلامية".. رؤية شريعتي لـ"أدلجة الدّين" تنتهي غالبية نقد مشروع علي شريعتي لـ"أدلجة الدين"، إلى أنّ هذه العملية تؤدّي إلى التطرّف والديكتاتورية وقمع الآخر وإقصائه؛ في حين لم ينوِ شريعتي تأسيس مثل هذا المناخ السياسي والاجتماعي، بل أكّد في أكثر من موضع، بحسب الكاتب، على المساواة والحوار مع الآخر. يعدّ شريعتي الآيديولوجيا متقارنة مع منظومة العقائد، أو ما يسمّيه بـ"الإبستمولوجية الدينية". فقد بيّن أن الآيديولوجيا مشتقّة من كلمة "idea" (ذات الجذور اللاتينية، والتي تعني المنطق والمعرفة)، فتكون بمعنى الفكر والغاية والعقيدة. إذن؛ فإنّ الآيديولوجيا الدينية هي بمعنى "إبستمولوجيا الدين". ويؤكّد شريعتي، عند شرحه لمفهوم الآيديولوجيا، على أنّها تعني تقنية الإنسان في العيش، وكيفية بناء المجتمع، وأنها البرنامج الذي يرسمه الإنسان لمجتمعه وتاريخه. الآيديولوجيا التي يعتمدها شريعتي توضح للإنسان الطريقَ الفاصلَ بين الوضع الموجود والوضع المطلوب. كان شريعتي يعتقد بأنّ الدينَ أمرٌ ثابـتٌ لا يتغيّر، وأنّ التحوّل يكون في المعرفة الدينية. ومن أجل مواكبة هذه المعرفة لتقدّم الزمان، استعان بالعلوم الإنسانية، لا سيّما علم الاجتماع والتاريخ، وقدّم في هذا الصدد قراءته الآيديولوجيّة للدّين، وبلوَر نظريّة العودة إلى الذات. ولكي يُحدث تغييرًا جذريًّا في موقف الرأي العام من الدين، بلوَر نظرية "البروتستانتية الإسلامية" في محاضرته بعنوان "من أين نبدأ؟".. وأكّد فيها على أنه وظّف هذا المصطلح في سياقات منهجية، لا من منطلقات آيديولوجيّة. ويرى الكاتب أنّ شريعتي أراد من "البروتستانتية الإسلامية" التصدي للأسباب التي جمّدت فكرَ المجتمع ومصيره باسم الدين؛ إذ بحث في هذا الطرح عن نوافذ جديدة لبثّ الحركة والنشاط في العقل الاجتماعي، كما فعلت "البروتستانتية المسيحية". إنّ ما يقصده شريعتي من وراء "البروتستانتية الإسلامية" هو العودة إلى مصادر الدّين الأولى، وإبعاد الدّين عن الخرافة والضلالة التي عبّر عنها بالوثنية والتقليد والتخدير والانفعال. يقول الكاتب إنّ "الآيديولوجيا الدينية" التي أرادها شريعتي، لا تتبلور إلّا بعد تحقيق الثالوث الديني الذي رسمه وأكّـده مرارًا في محاضراته. يتكون هذا الثالوث من "العرفان والمساواة والحرية"؛ ويقول شريعتي في هذا الصدد: "إنّ الدين التحرّري المعاصر يجب عرضُه في مثـلّث العرفان والمساواة والحرية، وهذا ما لا نجده في سائر التيارات الدينية المتطرّفة التي تؤدلج الدّين. يستحيل أن نجد أثـرًا لمفهوم ’المساواة‘ لدى الاتجاهات السلفية والمتطرّفة التي تؤدلج الدين لصالح أهدافها". ويرى شريعتي أنّ الآيديولوجيا لا ينبغي أن تـدخل على خط التفاصيل الجزئية؛ فهي يجب أن تبقى على مستوى الإطار الكلّيّ العامّ، والمثـقّفون والمتنوِّرون هم الذين يدرسون مدى انطباق الواقع على ذلك الإطار المرجعيّ الشامل. ويقترح شريعتي منهجًا بعنوان "المنهج التطبيقي القياسيّ". فالآيديولوجيا التي يروم بلوَرتها بوساطة هذا المنهج، يجب أن تكون متفاهمة مع سائر الآيديولوجيات والمدارس الفلسفية، سواء كانت غربيّة أم شرقيّة أم هنديّة أم إغريقيّة. فشريعتي لا يروم دحضَ الآخر أو الأديان والفلسفات الأخرى، بل يروم الحوار معها. نظرة الكاتب إلى شريعـتي يرى الكاتب أنّ الموضوعية الأكاديمية تفرض على الباحث المنصف استعمالَ المنهج الأصوَب لدراسة شخصية مثـل علي شريعتي، لتجاوز كل النقد المتناقض، وغير المنصف، الذي يضع مثـقّـفًا كشريعتي في بوتقة التطرّف؛ إذ لا يمكن أن نعـدّ المنادي بالمساواة والحرية والتعدّدية (أي شريعتي)، مؤسِّسًا للتطرّف وإلغاء الآخر، لمجرّد أنه استعمل الخطاب الدينيّ. فقد نادى شريعتي بالعودة إلى الذات، لكن ليس وفق أدبيّات الفكر السلفي الراهن، بل بعودة يرافقها تحـرّرٌ من كلّ الخرافات والقيود الفكرية والاجتماعية، وهي عودة تروم التفكيك وإعادةَ البناء وفق المنهجية التي أقرّتها المدارس الفكرية الحديثة، مِن قَبيل التفكيكية، وتضفي نظرة أنطولوجية (معرفية دينية) وثورية معًا على كلّ واجبات الفرد، سواء الدينية والأسرية والاجتماعية. فبخلاف ما تصوَّر نقّاد شريعتي، فإنه يؤكّد بُعدًا أنطولوجيًّا عميقًا في جوهر الدين؛ منطلِـقًا من أعماق الذات، وهذا ما يتجلّى مثلًا في مدوَّناته الشخصية التي حرّرها في حجّه الى بيت الله الحرام، إذ وصف مناسك الحجّ بلغة عرفانيّة رائعة، وقدّم قراءة ميتافيزيقية مميَّزة عن هذه الرحلة الروحانية. إنّ مجمل نشاطات شريعتي شملت توعية الشباب وتثـقيفَهم، وبثَّ المعرفة الدينية السليمة في "الحيّز العام". لقد كان شريعتي يَعُـدُّ نفسَه مفكّـرًا مستنيرًا يحمل "رؤية انتقاديّة". إنه يقدّم مشروعًا فكريًّا وثقافيًّا لا يدعو إلى حمل السلاح، بل يعترض على "الموجود" بحثًا عن "المطلوب"، وكان يرى أن التحوّل السياسي هو نتيجة التحوّل الثقافي والفكريّ في المجتمع. لذلك لم يصطدم شريعتي عَلَـنًا ومتعمِّدًا بالسلطة الحاكمة، ولم يتردَّد يومًا في المضي في مشروعه الناقد لثالوث "المال والسلطة والخداع". يقول شريعتي: "في بادئ الأمر، يجب بثّ الوعي بين الناس، بعد ذلك يمكننا دعوتهم إلى معرفة ذواتهم. إنّ الدعوة إلى البحث عن ماء الحياة وسرد حكايات مِن قَبيل حكاية الخَضرِ والاسكندر، لمن لا يوجد في قناته ماءٌ ليشربَه، هو ضرب من الخداع. إنّ من يضع العشق في حياة الناس بديلًا عن قوت يومهم، هو مِن صنف المخادعين الذين يسمّون خداعَهم زهدًا. فمن لا معاشَ له لا معادَ له". الإسلام.. العرفان والمساواة والحرية ... ثم يورد الكاتب نصًّا لعلي شريعتي يتحدّث فيه عن رؤيته الدينية المؤَدْلَجة، التي تحوي العرفان والمساواة والحرية. يدعو شريعتي إلى التجرّد من الطائفية والحِقد وإلغاء الآخر، وإلى الذوبان في الطبيعة والإنسان. كما يدعو إلى التثـقّف والاطّلاع على الأديان والمذاهب الفلسفية التي اهتمت بالطبيعة والإنسان. ويؤكّد أنّ العرفان والمساواة والحرية، هي التيارات التي تجلّت في دراسة الطبيعة وفي دراسة الإنسان. ويقول شريعتي إنّ العرفان – وممارسته - دائمًا منوط بالشرق؛ لأن الحضارة نشأت أوّلًا في الشرق حيث مولد الديانات العظيمة، فكان العرفان وجهًا بارزًا للحضارة البشرية. والعرفان هو جزء من فطرة الإنسان؛ حتى داروين، بحسب شريعتي، استحضر الشعور العرفانيّ عندما فصل طَور القرد عن طَور الإنسان، في دراسته لنشوء وارتقاء الكائنات. ويعزو شريعتي تطوّرَ أيّ دين وانتشارَه إلى مدى تطوّر أتباعه فكرًا وسلوكًا. فقد ينحدر مستوى مسلك عقيدي ما، ظاهريًّا، حتى لو كان هذا المسلكُ مسلكَ حقّ؛ لو أنّ أتباعه انحرفوا عن لبّ تعاليمه وأخذوا بأفكار ومسلكيات مِسخٍ، وأناطوا البدع المنحرفة بذلك المسلك زورًا!. وبالعكس؛ فقد يرتقي مسلكٌ عقيدي آخر، حتى لو كان مَسلَـكَ ضلال، لو أنّ أتباعه أخذوا بأسباب الحق وربطوها ظاهريًّا بذلك المسلك. والعرفان من أبهى مظاهر الدين وسموّه. ويؤكّد شريعتي أنّ شعورَ الإنسان بالهَـول والقلق تجاه السموات والطبيعة، هو نتيجة النقصان الذي يراه في الطبيعة، في إطار علاقته بها. فكلّما ارتقى الإنسان بإنسانيّته، عجزت الطبيعة عن تلبية احتياجاته، فإمكانات الطبيعة ناقصة، وهذا النقص يحدو الإنسان على الولوج في ما وراء الطبيعة لتـلبية حاجة وجدانه. فبالعرفان يتجاوز الإنسان الطبيعة ويتسامى عليها. العرفان، إذن، هو تجلّي فطرةِ الإنسان للذهاب إلى عالم الغيب واكتشافه. وعلى عكس ادّعاء الماديّين، فإنّ ركون الإنسان إلى موجودات الطبيعة، بحسب شريعتي، يؤدّي به إلى الانحطاط والتقهقر، في مقابل ارتقائه في ما لو اجتاز حواجز موجودات الطبيعة المادية. حتّى أنّ الملحدين، حين يلغون حقيقة وجود الله، يشعرون بأنّ الطبيعة أصبحت ضيّقة غيرَ مجدية للإنسان. ويجزم شريعتي بأنّ العلم المتنامي، من دون التسليم بالله، شكّل مجتمعًا متحضّرًا لا إنسانًا متحضّرًا! ويأسف شريعتي على أن يكون العرفان، في الشرق، تداخل مع الدين الذي أصبح جزءًا من الإطار السياسي الفاسد الحاكم، فتحوّل العرفان والدّين معًا إلى خرافات تخدم الحكّام... هذا أدّى إلى بروز أفكار تعادي الدين وتنشد الحرية والعقل، فأصبح تحـرّر الإنسان يساوي تركَ الدين!. وعن المساواة؛ يذكر شريعتي أنّه مع تطور الآلة وتحوّل المزارع إلى عامل، زادت الهوّة بين الفقراء والأغنياء في المجتمع الأوروبي. فظهرت مدارس فكرية تصدّت للرأسمالية ولاستعباد الأفراد، وجابهت دمجَ العمّال في نظام الماكينة، وتحوُّلَ صاحبِ رأس المال إلى جرذ يجذبه بريق المال. وتنامت الحركات المطالبة بتنظيم العلاقات الإنسانية، متخاصمةً مع الدين الذي يسيطر عليه الحاكم. فالاشتراكية والشيوعية برزتا بوصفهما مدرستين تسعيان إلى لغاء الصراع الطبقي وإيجاد المساواة بين البشر، بعيدًا عن إطار الدين. أمّا في ما يخص ذاتَ الفرد وحريّتَه؛ فتحدّث شريعتي عن "تيار الوجودية" الذي يَعتبر أنّ العرفان والاشتراكية والشيوعية تُغفِل الإنسانَ وتشغله بقضايا خارجية، كالحروب السياسية والنظام الطبقي والأمور الغيبيّة... فنادى هذا التيار بتمسّك الإنسان بحريّته ومعرفة أهمية ذاته. كما يعتبر "تيار الوجودية" أنّ الاشتراكية أناطت كلّ ما لدى الإنسان بالدولة، فيما ربط الدّينُ الإنسانَ بوجود الله، ما يسلب الإنسانَ حرّيّتَه، بحسب "الوجودية". وإنّ كلّ القيم، كما تراها "الوجودية"، متعلّقة بالحرية التي من دونها تضمحل كل تلك القيم. ويلخّص شريعتي التيارات الثلاثة التي تسود حياة الإنسان، في العشق العرفاني الذي يتجلّى في الدين (الصافي، غير المرتهَن بالحاكم الفاسد)، وفي العدالة بين الشعوب والطبقات الاجتماعية (التي نادت بها الاشتراكية والشيوعية المادية)، وفي "تأكيد ذات الإنسان" ومنحِها حرّيّة أن تنمو وتكتمل (كما نادت به "الوجودية"). ويؤكّد شريعتي أنّ الإسلام يعتمد التناسق والانسجامَ بين العرفان والعدالة الاجتماعية وتأكيد ذات الإنسان. فالعرفان جذر الإسلام وجوهره، والعدالة الاجتماعية مرامه وهدفه، إذ إنّ الآية القرآنية تقول "إنْ أحيَيْت نفْسًا فكأنّما أحيَيْت الناس جميعًا" (فثمة حساسية بالغة إذن في علاقتي الاجتماعية مع الآخرين). أما وجود الإنسان وأهمية ذاتِه فيصونها التوحيد الإسلامي، فإنّ مَن عرف ربَّ الإسلام أدرك بين يدي الله كمال ذاته الإنسانية وتساميها على باقي الكائنات. هكذا رأى علي شريعتي في الإسلام كلَّ الخير المنشود للإنسان.