عودة الكشافة العراقية للمحافل العربية والدولية اصبوحة شعرية لمجموعة شعراء المتنبي لوحات من الريف العالميكاتبات المستقبلاشكالية ملف الرياضيون الروادتداعيات انهيار برج التجارة العالميفريق تعلم اللغة الانكليزية التواصلي المؤسسات الدينية وصناعة الاعتدال خطاب صوري ام خطاب أقناعي"مؤسسة المدى " تقيم معرضاً للكتاب في المركز الثقافي البغداديرثاء المدن الخصيان في التراث العربي: أرّقت شهوتهم الجاحظ وأقرّ الماوردي بحقّهم في الإمامة التدين التركي: كيف اصطبغت تركيا بالصبغة الصوفية؟ رواية "الملامية"... أول أولى الطرق الصوفية وأكبرها العراقيون وطقوس الفطور الصباحي المختلفة في العيد... علماء عرب ومسلمون دونت أسماؤهم على سطح القمر "التصاوير الحرام"... كيف رسم المسلمون النبي محمد "ابحث عنّي إلى أنْ تجدني": قصيدة حبّ عمرها 4000 سنة "عجائب العالم القديم" ظلَّت خالدة من قبل الميلاد حتى دمَّرتها "أسباب بسيطة".. 5 آثار عظيمة فقدناها للأبد{التايمز الأدبي} يحتفي بخوان غويتيسولوولاة الارض

Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
12˚C
صافي
2017-12-13
13 ˚C الصغرى
13 ˚C / 13˚C 2016-02-14
13 ˚C / 14˚C 2016-02-15
14 ˚C / 14˚C 2016-02-16
14 ˚C / 16˚C 2016-02-17
العلم والعقل والحبّ في ديوان مثنويّ
2015-01-04 13:03:25

العلم والعقل والحبّ في ديوان مثنويّ

للبحث في العلاقة بين الإيمان والعقل جذور تمتدّ في عُمق تاريخ بحوث الفكر الإنسانيّ، طُرح بأنماط وأساليب مختلفة بين المتكلّمين والفلاسفة المسلمين. لكنّ العرفاء والصوفيّة لم يبحثوا في المسألة المذكورة بالجدية المطلوبة، لأنّ العُرفاء – خلافًا للمتكلّمين – لم يركّزوا كثيرًا على مفهوم الإيمان بل استخدموا بدلًا من هذه الكلمة عدّة كلمات أخرى مثل "الحبّ" أو "المعرفة". ولهذا، إذا ما أردنا اقتفاء موضوع الإيمان وعلاقته مثلًا بالعقل أو المعرفة في إطار العرفان، فإنّه لا بدّ لنا من الاستناد إلى تقريرات أخرى غيرها. ففيما يخصّ العلاقة بين العقل والحبّ (أو العشق) من جهة وبين العلم والعرفان من جهة أخرى، فقد تصاعد الجدال بين العرفاء منذ أزمنة قديمة. وفي المدارس الفلسفيّة الغربيّة الحديثة كذلك تمّ بحث هذا الموضوع بطرق متنوّعة، إلّا أنّ ما يدور اليوم في أروقة الدراسات الدينيّة حول علاقة العقل بالإيمان، ودفاع البعض عن فكرة التضادّ أو عدم الانسجام بين العقل والإيمان تحت شعار الإيمان أو مذهب النقليين (Fidéisme )، يندرج في لائحة البحوث التي يمكن دراستها ضمن هذا المجال. وغالبًا ما تتمّ المقارنة بين رؤية العرفاء المسلمين، وخاصّةً آراء الشاعر مولوي، وبين نظريّة النقليين من أمثال (سورين كيركيغارد Soren Kierkegaard والإدّعاء بأنّ العلم والعقل والحبّ لا يجرون في مجرًى واحد في العرفان الإسلاميّ. سنحاول في هذه المقالة دراسة تلك المفاهيم من منظار ديوان مثنوي لمولانا وبيان النسبة فيما بينها قدر الإمكان[2].

لا يختلف اثنان على كون مولانا جلال الدين محمّد الرومي من أكبر العُرفاء المسلمين قاطبةً والتلميذ الأشطر في مدرسة التصوّف. فلم يكن إنجازه يقف عند معرفته وإلمامه بالاتّجاهات العرفانيّة فيما قبله، بل كان يحيط بكلّ آراء الفلاسفة ومذاهبهم والمتكلّمين والفقهاء والمفسّرين كإحاطة السّوار بالمعصم؛ أمّا أنسه بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة ومطالعته للتاريخ والحكايات الإسلاميّة فقد تجلّت آثارها وظهرت تأثيراتها في كلّ بيت من أبياته الشعريّة وكلماته العرفانيّة[3].

ورغم كلّ ذلك، ومع أنّ علاقة مولانا مولوي مع صدر الدين القونوي – تلميذ محي الدين بن عربي وشارح مؤلّفاته – ثابتة ومُسلَّم بها، وعلمه بآثار الغزّالي واطّلاعه عليها وعلى غيرها لا يشوبهما أيّ شائبة، وهو ما نجده جليًّا في كلّ ركن من أركان أشعاره، إلاّ أنّنا نجرؤ على القول إنّ مولوي لم يكن تابعًا أو مُقلّدًا لأيّ مدرسة من تلك المدارس العرفانيّة الكبرى، بل يصعب حتّى إدراجه ضمن التقسيمات التي كانت شائعةً. فقد كان عارفًا وشاعرًا مُتيّمًا، وليس بإمكان أحد منّا العثور في أشعاره إلّا على إرهاصاته الشخصيّة وإنجازاته الذاتيّة، وكان يحاذر كثيرًا تكرار ما قاله السابقون عليه أو اجترار ما ابتلعه أقرانه.

وسوف نلاحظ في مقالتنا هذه أنّ مولانا لم يكن رفيقًا مخلصًا للحكمة البحثيّة ولا للمنطق الذهنيّ، إذ كان مؤمنًا بأنّ سبيل الوصول إلى المعرفة لا يمكنه أن يمرّ بهذه المرحلة، والأكثر من ذلك أنّه لم يتقيّد بنَظم مُعيّن أو قاعدة مُحدّدة في بيانه وشعره البتّة. لكن رغم ذلك، يمكننا الاستشفاف من خلال نظرة عابرة على بنات أفكاره أنّ وراء كلّ ذلك الركام من التشوّش وعدم التقيّد تتربّع في ذهنه فكرة راسخة وإلماعة منتظمة. وهكذا ومع أنّه لم يكن من الذين يفرحون بما لديهم من العرفان النظريّ، إلّا أنّ لغته الشعريّة لم تَجد لها مفرًّا سوى التشكّل بقوالب النظريّات العرفانيّة.

وعلى أيّ حال فإنّ ما نريد قوله هو أنّ العوامل والأسباب المذكورة تجعل طريق البحث والتحقيق في آراء مولوي وعرةً للغاية، فضلًا عن المشاكل المتعدّدة التي تواجه كلّ من يبتغي الوصول إلى نظامه الفكريّ. وهنا، سنسعى من خلال الإبحار في لجج مضامينه الشعريّة إلى استنباط حلقات المفاهيم الأساسيّة لهذا البحث، ثمّ رَبط تلك الحلقات بعد مقارنتها ببعضها البعض لتسهل مطالعتها وتتيسّر دراستها، آملين أن يغدو كلّ ما ورد في هذه المقالة تحت عنوان (نظريّة مولوي) في باب العقل وعلاقته بالإيمان والحبّ والمعرفة منسجمًا وموافقًا لنيّته وفكرته إلى أبعد الحدود.

العقل الجزئيّ والكلّيّ

تكرّرت كلمة (العقل) ومشتقّاتها بشكل كبير في أشعار مولوي، حتّى طفت على السطح نظريّته في هذا المجال التي وإن كانت على غرار الفكرة العرفانيّة القديمة إلّا أنّها لم تخلُ من بعض التجدّد والإبداع. ولمفهوم العقل ومراتبه أهميّة لا يمكن تصوّرها في ذهنيّة مولوي، ولمّا كان العقل مؤثّرًا في فهم بقيّة المفاهيم الأخرى، فقد آثرناه وقدّمناه على غيره من المفاهيم.

وكعادة شيوخ الصوفيّة لا ينفي مولوي العقل والإدراك الإنسانيَّين بشكل كامل بل فضّل تقسيمهما إلى مراتب أو مراحل واضعًا الحدود والقيود لكلّ مرحلة. ويرى مولوي أنّ عمل العقل هو معرفة الحقيقة وتشخيص الصّدق وعدمه، وأنّه طالما كان العقل يتحرّك في كلّ مرتبة من تلك المراتب ضمن حدوده المعيّنة له فإنّ أحدًا لن يجرؤ على القول بأنّه مذموم، بل على العكس سيُمثّل ضرورةً لازمةً في حياة الإنسان. وهكذا، فإنّ معرفة تلك المراتب والإلمام بمراتب الحقيقة وكذلك الوصول إلى مدارج كمال النّفس الإنسانيّة وعلاقة تلك المراتب مع بعضها البعض، كلّ ذلك يؤلّف قوام الفكر العرفانيّ لدى مولوي.

ويُوجز مولوي فكرته عن العقل بأنّه ينقسم إلى قسمين: العقل الجزئيّ والعقل الكلّيّ؛ ومن وجهة نظره فإنّ الإنسان مجرّد فكرة وما سوى ذلك ليس إلّا العظام واللحم[4]، وأنّ تلك الفكرة هي التي تصنع كلّ تفاصيل الحياة. وبشكل عامّ، يعتقد مولوي أنّ مجمل حقيقة عالم الحياة والوجود، بدءًا من الجماد والحيوان وانتهاءً بعالم الأمر والحقّ، تتلخّص في إطار تلك الفكرة. أمّا مصدر تلك الفكرة فهو ما يُسمّى بـ"عقل الكلّ". وما يسمّيه مولوي بعقل الكلّ يشبه إلى حدّ كبير ما يدعوه الحكماء بـ"العقل الأوّل" أو "الصدر الأوّل"، وهو نفسه الذي يسمّيه العرفاء بـ"الحقيقة المحمّدية" أو "النور الأوّل". ونلاحظ أنّ مولانا يُطلق على عقل الكلّ هذا اسم "الحكمة الإلهيّة البالغة" حيث يُمثّل عالم الكثرة جزءًا منه (شعر):

هذا العالم مجرّد فكرة عن عقل الكلّ


فالعقل سلطان والصّور هي الرُّسُل

ومن ناحية أخرى فإنّ العقل الجزئيّ، أو ما يُسمّيه مولانا بـ"العقل الجزويّ" هو نفسه العقل الفرديّ الموجود لدى كلّ إنسان والمحدود بعالم الحسّ والخيال، وليس باستطاعة هذا العقل سوى إدراك الكثرات والحدود. والعقل الجزويّ ناظر إلى ذاته ولا يختصّ سوى بذاته، ولهذا فإنّه يردّ كلّ ما ينتهي بنفي الكثرة والذاتيّة، ويعتبر الحقيقة هي الشيء الذي يدور في إطار معرفته. فمن يعتمد على العقل الجزويّ ويطلب منه الحقيقة الكلّيّة فإنّه يشبه النائم الذي أغرق الماء ثوبه ولباسه وهو يبحث في نومه عن الماء، أو كما يقولون: يبحث عن الماء في الصحراء[5].

وبسبب محدوديّة العقل الجزويّ ضمن الكثرة والذاتيّة فإنّه لا يُدرك سوى الحقائق التي تنتهي بالوجود الأرضيّ وليس بمقدوره التفكير في ما وراء ذلك العالَم (شعر):

لا يعدو تفكير هذا العقل قَبره


أمّا ذي الفؤاد فيدوم حتّى الصُّور

ولا يتجاوز تفكير هذا العقل القبر والتراب


وهو لن يصل إلى عالم العجائب والنور

فلن نجني من هذا العقل وتفكيره إلّا الدوار


فانتظر فإنّ الانتظار خير وسرور

ورغم أنّ لا أحد ينكر بأنّ عقل الكلّ هو حقيقة ميتافيزيقيّة ومتعالية، إلّا أنّ بصيصًا من نوره يغمر قلب كلّ واحد منّا – نحن البشر – بل إنّ العقل الجزويّ ليس في الأساس سوى شرارة من عقل الكلّ ذاك. وفي الواقع فإنّه على رغم الاختلافات والتنوّعات الموجودة في العقل والنفس، لكنّها جميعًا تُمثّل أبجديّةً منبثقةً عن الواحد[6]. فإذا اعتبرنا تلك الحقيقة الواحدة هي نفسها الأحديّة والواحديّة (مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في تفسير هاتين اللفظتين) فإنّ عقل الكلّ سيكون الصادر الأوّل عن الواحد حيث يقتبس منه الآخرون وجودهم ومعرفتهم.

وعقل الكلّ موجود في داخل كلّ إنسان كما هي الحال مع العقل الجزويّ، وهو مشعل يمتلكه واحد منّا. لكنّ العلاقة بين كلّ من العقل الجزويّ وعقل الكلّ من النظرة الوجوديّة تُمثّل مسألةً عرفانيّةً مُعقّدةً لم يسمح مولوي لنفسه باختراقها أو الخوض في تفاصيلها، وله في ذلك بعض الإشارات التي سنوردها قريبًا.

العقل التحصيليّ والعقل الإيمانيّ

وفي مقابل التقسيم المذكور يشير مولوي إلى نوعين آخرين من العقل تربطهما علاقة طيّبة بالعقل الجزويّ وعقل الكلّ. فـ"العقل التحصيليّ" الذي يسمّيه مولوي كذلك بالعقل الكسبيّ أو المكسبيّ، يصل إلى المعرفة عن طريق الفكر والذكر، أمّا تطويره وتنميته فيكون من خلال الدرس والمدرسة[7]. ونستنبط من مجموع العبارات والأبيات المستخدمة في ديوان مثنوي بأنّ العقل التحصيليّ يُعتبر أحد إنجازات العقل الجزويّ، بل ولا يمكن تعريفه إلّا في دائرة العقل الجزويّ نفسه. ولمّا كان العقل التحصيليّ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحواسّ والإدراكات الخارجيّة، فإنّ صحّة معلوماته أو خطأها وكذلك محدوديّة معرفته مرتبطة هي الأخرى بالمعلومات الخارجيّة ولا يمتلك أيّ نوع من أنواع القوّة والفاعليّة من ذاته. وعليه يمكن تصنيف العقل التحصيليّ في كتاب المعرفة الإنسانيّة بشكل روافد تتدفّق إلى داخل البيت من خارجه ثمّ يخرج منه، وإذا ما وُضع أيّ عائق أو سدّ في طريقها فإنّ معنى ذلك أنّ الإنسان سيكون محرومًا من هذا العلم كذلك (شعر):

مثال العقل التحصيليّ كالروافد


يتدفّق إلى الدار من الجبال

فإذا سُدّ طريقه أصبح الشاه بئيس


فابحثوا عن العين داخلكم يا رجال!

ورغم أنّ مولوي حاول وضع بعض الفروق بين مراتب العلم التحصيليّ، إلّا إنّ بعض عباراته تُوحي بأنّه يعتقد أنّ جميع المعارف الاكتسابيّة من الفنون والعلوم التجريبيّة وصولًا إلى العلوم الرياضيّة والفلسفيّة، تنبع من العلوم الدنيويّة، ويعتبرها جميعًا بمثابة لبنات جُعلت لبناء هذا العالَم (شعر):

إنّ صناعة الثياب المزركشة


والحصول على الدّرر من البحار المتنافسة

وكلّ تفاصيل علم الهندسة


أو الفلك وعلم الطبّ والفلسفة

تتعلّق بهذا العالم الذي تراه


لا بالسماء السابعة كما تقول العامّة

كلّ هذا العلم لبناء المعلفة


تُقتنى فيها الجمال وكذلك البقرة

ولأجل أن يُبقوها لأيّام حيّة


فقد سمّاها الهُبل بالرموز المعقّدة

ومع ذلك، فليس من الإنصاف بمكان الحكم على مولوي بأنّه كان يرفض العقل الاكتسابيّ والبحثيّ، فهو يرى أنّ العقل التحصيليّ إذا قام بعمله على أكمل وَجه فسيكون بإمكانه الوصول إلى عقل الكلّ والمعرفة الحقيقيّة. ونستطيع القول بصورة عامّة أنّ العقل الجزويّ برأي مولانا يُعدّ واحدًا من اللوازم والمقدّمات الخاصّة بالوصول إلى عقل الكلّ؛ وعليه فما دام العقل الجزويّ محترمًا نفسه وبعيدًا عن الفضول، فإنّه سيظلّ مُحترمًا وقابلًا للاستخدام، ولذلك ينبغي عليه معرفة حدود نشاطاته.

وفي الجهة المقابلة للعقل التحصيليّ يشير مولانا إلى ما يدعوه بـ"العقل الإيمانيّ"، حيث يبدو أنّ هذا العقل ومن الناحية الوجوديّة، لا يمتلك لنفسه حقيقة مستقلّة، بل هو نفسه العقل الجزويّ عندما يتبيّن حدوده ويؤمن بنور الحقيقة التي تشعّ عليه من الخارج. أمّا الدّور الرئيسيّ الذي يلعبه العقل الإيمانيّ فهو الحيلولة دون سيطرة النّفس على الرّوح الإنسانيّة، وبالتالي المحافظة على الإنسان من السقوط في الأهواء والخيال. ويُشبّه مولوي فعل العقل الإيمانيّ بقطّة هزمت الفئران، ثمّ يُبالغ في تشبيهه فيُمثّلها بالهزبر الجسور، فمتى تغلّبت النّفس تجلّى هناك غياب العقل الإيماني (شعر):

فهو[8] كالقطّة الصاحية النبيهة


تُبقي السارق في جحره كالفأر دون حيلة

فإن رأيتَ الفأر لاهيًا ولاعبًا


فاعلم أن لا وجود للقطّة أو هي منها غيلة

والقطّة إن بَقت واعية كالأسد


وسكن العقل الإيمانيّ في كلّ شبر من الجسد

خافت كلّ الحيوانات من زئيره


ولم يقترب السائمون من عرينه[9]

وتضمّ الأبيات أعلاه بعض النقاط المهمّة: النقطة الأولى، هي أنّ العقل الإيمانيّ موجود وراسخ في عُمق وجود الإنسان ويُمثّل مرتبةً أو جزءًا من الحياة العقلانيّة له. والنقطة الثانية هي أنّ العقل الإيمانيّ في تضادّ مع الأهواء النفسيّة واتّباع الخيال. والنقطة الثالثة، أنّه توجد أحيانًا في الإنسان ملامح أو آثار للعقل الإيمانيّ إلاّ أنّها لا تُرى بوضوح فيه، بمعنى، أنّه رغم وجود العقل في الإنسان بشكل حقيقيّ، لكنّ هذا الإنسان محروم من نِعَم ذلك العقل لعدم بلوغ عقله إلى مرتبة العقل الإيمانيّ.

ولكن، وبعيدًا عن هذه النظرة التشاؤميّة، فإنّ العقل الإيمانيّ في الواقع هو الذي يفتح أبواب الآفاق أمام الإنسان، فالعقل في حالة الإيمان يُبادر إلى الانضمام إلى نور الحقيقة بمجرّد رؤيته لها، فيمتلئ بالإيمان بفيض عقل الكلّ الذي انبجس من داخله. وعندما ينكر العقل الجزويّ ذاته ويؤمن بنور الحقيقة وعقل الكلّ، سيُسمَح له بالسَّوْمِ في مراتع النور المخصبة[10] فيُضيء في داخله مشعل الحقّ ومنار الهدى، وسيتمكّن من تلمّس طريقه والاهتداء إليه دون دليل خارجيّ.

ونلاحظ أحيانًا أنّ مولانا يُطلق اسم "العقل التحقيقيّ" على العقل الإيمانيّ ويضعه في مقابل العقل التقليديّ، ويرى أنّ تحقيق العقل هو تقصّيه لأعماق الحقيقة وإدراكه وفهمه لأصل الوجود وأساسه، وليس ما يتأتّى بالدليل والبرهان. وفي أحيان أخرى يشير إلى "الإيمان" على أنّه شاهد القول والفعل على معرفة عالَم {ألسْتُ}[11]، (شعر):

إنّما الإيمان بالعلم والتعليم


ولا إيمان بالوهن والتسليم

ونحن في دهليز قاضي القضاء


إمّا شاكين وإمّا ننتظر البلاء

فقد قُلنا (نعم) وهذا امتحان


فقولنا وفعلنا شاهد علينا وبيان

ورغم أنّ معنى الإيمان هذا لا يخرج عن إطار المعنى المذكور في أعلاه إلّا أنّه لا يُشير إلى حقيقة الإيمان الواقعيّ. فمولانا يعتبر الإيمان أمرًا عظيمًا وحدثًا كبيرًا، ولكن ليس الإيمان الظاهريّ بل الإيمان الذي يُصاحبه تصديق القلب والفؤاد؛ الإيمان الذي لا يشوبه أيّ شكّ أو شبهة، الإيمان الممزوج بالصدق والتسليم. ولا ريب في أنّ مثل هذا الإيمان هو غذاء الجسم والروح لدى الأنبياء والأولياء الذي تمكّنوا بواسطته من إرغام شيطان النفس على قبول الإسلام والتسليم بأوامر الله ونواهيه وتجنيب أنفسهم من آفاته والنجاة من حبائله. فمن لا يملك مثل هذا الإيمان فعليه تجديد إيمانه ومراجعة آرائه وأفكاره والسعي إلى الإكثار من المجاهدات وبذل الغالي والنفيس لكشف حقيقته التي تنتهي بلقاء الله والاتّصال به[12].

إنّ مثل هذا الإيمان مكنون في قلب المؤمن وروحه وهو لا يقبل لا بالزيادة ولا بالنقصان لأنّ الإيمان في هذه الحالة يُصبح عين روح المؤمن، وأمّا النّقص والقلّة فمن خواصّ أجسام المؤمنين لا إيمانهم[13].

مراتب العقل وسير تكامله

ذكرنا بأنّ مولوي يعتقد بأنّ العقل والنّفس الأخرى اللذين يُميّزان الإنسان عن الذئاب والكلاب لا يختلفان عن العقل الجزويّ، بل إنّ جميعها تُمثّل مراتب حقيقة واحدة، ولذلك وبمجرّد أن يُصبحوا محطّة عقل الكلّ ومنـزله، يغدو الإنسان مستغنيًا في بحثه عن الحقيقة ومعرفتها عن أيّ دليل أو هادٍ. ولكن إذا حُرم من نور عقل الكلّ فإنّه سيغرق في الظلمة والجهل القاتلين[14]. ويرى مولوي أنّه إذا أراد الإنسان النّجاة من الجهل والحمق عليه أن يتعرّف على نور الحقيقة تدريجيًّا لأنّ العقل الجزويّ مفطور على تتبّع القيل والقال ومهووس بالغوص في أعماق العلوم الدينيّة والبحث فيها والمجادلة بشأنها، وبذلك فهو يحاول بأقصى جهده تجنّب الإذعان لأيّ معرفة نورانيّة وهِبة[15].

ويحظى السير التدريجيّ نحو تكامل العقل بأهميّة كبيرة، فرغم تلألؤ نور العقل بعالم الملكوت وعقل الكلّ إلّا أنّ تجلّي ذلك النور على العقول لا يعني تساوي تلك العقول. وهنا نلاحظ قيام مولوي ببيان الاختلاف بين العقول ويرى أنّ هناك بَونًا شاسعًا ومسافةً كبيرةً بين العقول، ولكن إذا تخلّصت العقول الجزويّة من الظلمات فإنّها جميعًا ستحصل على النور وسترى الحقّ بمقدار ما تمتلكه من النور (شعر):

اعلم أنّ هذا الاختلاف بين العقول


كبير كالمسافة بين الأرض والسماء

فمن العقول ما هو كقرص الشمس


ومنها ما هو أضعف من الشهاب في الفضاء

ومنها ما هو كالفانوس ليس أكثر


ومنها ما هو نجمة لامعة في العلياء

وكالبرق الذي يُنير الغيوم والمُزن


كذا نور الإله يلمع في عقول العقلاء

فالعقل الجزويّ يسيء إلى العقول


وكأس الدنيا سلب الكؤوس من الرجال والنساء[16]

وعلى هذا يمكننا القول بأنّ العقل الإنسانيّ – والذي يُمثّل العقل الجزويّ من حيث الجوهر – قد يصل في أعلى مراحله إلى عقل الإنسان الكامل ويصبح قادرًا على رؤية الذات ومستغنيًا عن الدليل والهادي الخارجيَّين، تمامًا كعقل الكلّ المنفصل البسيط. ويُطلق مولوي على هذه المرتبة اسم "شيخ العقل والدّين"، مُعتبرًا إيّاه العاقل الحقيقيّ والأصيل. وبما أنّ هذا الشيخ صار فارغًا وأجوفًا من الداخل من كلّ شيء ومليئًا بنور العقل، فقد اتّخذ دليله من داخله لا من الخارج (شعر):

اسعَ لتكون شيخ العقل والدّين


فتستطيع كعقل الكلّ رؤية باطنك

فالعاقل مَن كان يحمل المشعل


وكان دليلًا وحاديًا، فابذل جهدك

فهو يتبع نوره لا نور غيره


ولا يهتدي إلّا بهُداه، فاختر طريقك

وهو مؤمن بذاته وإيمانه فيه


وقد اتّخذ نوره من ذلك النور، فاتّبع نورك[17]

وهناك مرتبة هي أدنى من المرتبة المذكورة حيث ما زال العقل فيها أسير ذاته مقابل الحقّ ولم يَرَ بعدُ نور الحقّ، لكنّه عالِم بمحدوديّة العقل الجزويّ وعالَم الحسّ والبحث، ويمكنه رؤية نور الحقيقة في العقلاء. ويُسمّي مولوي صاحب هذه المرتبة بـ"نصف عاقل". فبما أنّ أصحاب هذه المرتبة لم يَروا بعد الحقّ كاملًا فإنّهم لم يتخلّصوا تمامًا من ذاتهم، إلاّ أنّهم لا يتوانون عن تسليم ذواتهم إلى العاقل الكامل لكي يتمكّنوا بواسطته من الرؤية والنجاة من عبء ذواتهم والارتقاء إلى الأعلى ليروا الحقيقة بشكل مباشر (شعر):

وأمّا الآخرون من أنصاف العقول


فإنّهم يرون مَن هم من أصحاب العقول

فلا يستكبرون عن أن يقودوهم


فيُبصروا ويعلو مقامهم وينجوا من الأفول

وتكتمل عقولهم بعد أن كانت ميّتة


فيرقوا إلى الأعالي بعد أن كانوا في السهول

فلا موت ولا فناء مع العقل الكامل


الكلّ أحياء في ظلّه، لا سكوت ولا خمول[18]

وقد أطلق مولوي اسم "نصف عاقل" على صاحب هذه المرتبة لأنّ عقل هذا الإنسان يُذعن ويستسلم للقائد والهادي وإن لم يكن قادرًا هو نفسه على الوصول إلى الطريق.

وهناك مرتبة هي أدنى من هذه وفيها يكون العقل عاجزًا عن إيجاد طريقه أو العثور على النور، فيظلّ في عالم الطبيعة لا يخرجه منه. فهذا الشخص لا يرى نور الحقّ وليس مستعدًّا للإذعان لمن رأوا النور. ويبدو أنّ أصحاب هذه المرتبة لا يملكون عقلًا بالمرّة ولا ينتفعون بعقلهم البحثيّ، وهم باقون ضمن إطار هذه الدنيا (شعر):

وأمّا ذلك الأحمق فعقله مجرّد حجر


فلا هو امتلك عقلًا ولا اتّخذ العاقل هدى

لا يعرف طريقه ولا يهتدي إليه


ويشمئزّ من اتّخاذ دليل من أهل النّهى

يسيح في البريّة على غير بيان


فمرّة يسير كالأعرج ومرّة ينطلق كالهواء

فلا هو يمتلك شمعة تنير دربه


ولا يمتلك نورًا يبيّن له الطريق في العراء

فلا هو عاقل يحيا بعقله


هو أعمى لا كأنصاف العقول بل أدهى

يتمختر كالأعمى في كلّ اتّجاه


فلا خاتمة لأمره رغم كلّ ما سعى[19]

وفي معرض توضيحه للمراتب الثلاث المذكورة وبيان مكانة كلّ منها في الكمال النهائيّ للإنسان، ينقل مولوي قصّة من قصص (كليلة ودمنة) ليستشهد بها في هذا المقام، وهي قصّة السمكات الثلاث اللاتي كنّ يَعشن في مستنقع للماء واتّفق صيّادان على أن يرجعا إليه بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك. فسمعت السمكات قولهما؛ فأمّا أكيَسهن لمّا سمعت قولهما، ارتابت بهما، وتخوّفت منهما، فلم تعرّج على شيء حتّى خرجت من المكان الذي يدخل فيه الماء من النهر إلى الغدير[20]. وأما الكيّسة فإنّها مكثت مكانها حتى جاء الصيادان؛ فلمّا رأتهما، وعرفت ما يريدان، تماوتت فطفت على وجه الماء منقلبةً على ظهرها تارةً، وتارةً على بطنها. فأخذها الصيادان فوضعاها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت إلى النهر فنجت. وأمّا العاجزة التي كانت محرومةً من العقل، فما تزال في إقبال وإدبار حتّى صيدت، فأخذت تلوم نفسها لعدم اقتدائها بمن وُهب العقل والتدبير[21].

ويُستفاد كذلك من هذا التشبيه أنّ العقل إمّا أن يكون متّصلًا ببحار نور الحقيقة فيحيى، أو أن يكون عارفًا بأنّه لن ينجو من مستنقع الطبيعة لوحده بل لا بدّ له من أن يتّبع الأكبر والأعقل. وأمّا العقل الذي يعتبر نفسه الأكمل فيحاول بذهنه المحدود البحث والسعي بعيدًا عن الآخرين، فإنّه لن ينجو أبدًا وسيهلك لا محالة.

وأمّا المسألة الطريفة التي ختم بها صاحب المثنوي هذه الأبيات فتتمثّل في مكانة العقل السامية لديه، فهو يعتبر بعض القوى مثل الذاكرة والفَهم والتذكّر وغيرها هي من العوارض على العقل وآثاره، لكنّه يرى أنّ العقل نفسه هو شيء آخر مختلف، فإذا لم يَظلّ منتبّهًا وواعيًا فلن يكون لتلك القوى أيّ تأثير يذكر (شعر):

لا تنفع الذاكرة والفهم والحفظ


إذا لم يكن العقل واعيًا وصاحيًا

فهو النور الذي يشعّ عليها جميعًا


وهو المُذَكِّر لها وهو الواعيا[22]

فالعقل إذا كان واعيًا وصاحيًا فإنّه يُسخّر جميع القوى الإنسانيّة لخدمته ويوظّفها ويوجّهها نحو خلاص الإنسان وكماله. وفي غياب العقل فإنّ فَهم الإنسان أو إدراكه لأيّ موضوع أو تذّكر ذلك الأمر لن يكون نافعًا له، تمامًا كالسمكة الحمقاء التي لم تُدرك حقيقة الأمر إلّا بعد أن وضِعت على النار لتشوى، وحتّى لو نَجت فإنّها لن تهتدي إلى الطريق الصحيح بسبب حماقتها (شعر):

يقول العقل: إنّ الحماقة منك


ولا ينفع مع الحماقة شيء أبدًا

والعقل هو الوحيد الذي يحفظ العهود


فإذا لم يكن لديك عقل فلن تُفلح مؤكّدًا

والعقل هو الذي يُذكّرك بالعهود


والعاقل يزيل الحُجُب عنه وهو مؤيّدًا

فإذا غاب عقلك صار النسيان سيّدك


وأضحى العدو والباطل لك سيّدًا[23]

العلم والمعرفة

تحدّث مولوي كثيرًا حول العلم والعلماء، وبحث بالتفصيل أقسام العلوم وأنواع العلماء ومراتبهم، ومع ذلك فإنّه لم ينفي العلم بشكل مُطلَق في أيّ بيت من أبياته الشعريّة في ديوانه المثنوي. وقد صنّف مولوي العلم بالاستناد إلى تطبيقاته ومحتواه مُبيّنًا مكانة كلّ نوع من أنواعه في الحياة الإنسانيّة. لكن مع استخدامه للتعبيرات العامّة والكلّيّة لا يمكن فهم نظريّة مولانا حول مكانة العلم بأيّ شكل من الأشكال، بل لا بدّ من وَضع أيّ شيء ذَكره وتحدّث عنه نُصب أعيننا لكي نتمكّن من وضع حُكم عادل وجامع لتلك النظريّة.

فالتصنيف الأوّل الذي قدّمه مولوي حول العلم يتمثّل في التمييز بين العلم الدنيويّ والعلم الأُخرويّ. وللوهلة الأولى يبدو أنّ هذا التصنيف مُستوحًى من آثار العلوم ونتائجها واستنادًا إلى تأثير كلّ واحد منها (شعر):

على العامّ والخاصّ أن يطلب العلم


لا أن ينتظر الخلاص من هذا العالَم

والعلم الدنيويّ في الحقيقة هو جزء من هذا العالَم وهو محدود وفانٍ وزائل كالمال والعناصر الدنيويّة الأخرى. وفي تفسيره للحديث النبويّ الشريف: "مَنهومان لا يَشبعان: طالِب عِلم، وطالِب دُنيا"[24]، يقول مولانا بأنّ المقصود بـ"العِلم" في هذا الحديث هو علم الآخرة وإلّا فإنّ العلم الدنيويّ ليس إلّا جزءًا من هذه الدنيا ولا معنًى لفصله عن الدنيا والمال. وهنا، يصل مولانا إلى نتيجة نهائيّة مفادها أنّ العلم الحقيقيّ والمطلوب هو العلم الذي يؤدّي إلى استمرار الحياة وبقاء الروح وهو الذي يُوصل حقيقة الإنسان إلى الكمال والسؤدد (شعر):

العلم ما أحيا الروح وأبقاها


وهو الذي يؤيّد النّفس ويُحييها

وينقل لنا ديوان مثنوي قصّةً قال فيها إنّ شخصًا عالمًا كان يروي لأصحابه حكايةً عن شجرة رآها في الهند يدّعي الناس هناك أنّ من أكل من ثمرها لا يشيخ ولا يموت. فسمع أحد ملوكهم ذلك فبعث أحد العلماء إلى الهند للبحث في أمر الشجرة. وبعد أن قام العالِم بالتقصّي والسؤال عن أمر الشجرة ولمّا يئس من الحصول عليها أو على ثمرها، ذهب إلى أحد العلماء والشيوخ هناك ليبحث معه مسألته (شعر):

فضحك الشيخ وقال: أيّها العاقل


إنّها شجرة العلم في قلب العالِم

إنّها شجرة عالية عظيمة بسيطة


وهي ماء الحياة الذي ينبع من بحر عارم

أنت تبحث عن صورتها ولذا تُهت


ولم تعرف أنّها معنى ومفهوم قائم

فسمّوها تارة شجرة وتارةً شَمسًا


وأحيانًا معنى وأخرى سحاب هائِم

إنّه العلم وهذه آثاره الكثيرة


ألا أقلّ آثاره وملكه بقاء دائِم

وهكذا، وخلافًا للعلم الظاهريّ الذي يتعلّق بعمارة جسم الإنسان وأعضائه ويفنى بفناء الجسم والأعضاء، فإنّ العلم الأخرويّ يهتمّ بعمارة الروح والنّفس، حيث يبقى معهما ويخلد بخلودهما.

ولتوضيح معنى العلم الدنيويّ والأخرويّ بشكل أفضل نشير هنا إلى تصنيف آخر يبحث هذين النوعين من العلم من زاوية أخرى. فمرّة نرى مولانا يتحدّث عن "العلم التقليديّ"، ومقصوده من ذلك يختلف كثيرًا عمّا هو مُتعارَف وشائع. فهو يعتبر أنّ جميع العلوم التي تأتي عن طريق البرهان والاستدلال، بل وحتّى ما هو موجود في علم الأخلاق والحكمة وما يتناوله من المسائل الأخلاقيّة والمعنويّة، تنتمي إلى العلم التقليديّ. قلنا أنّ التقليد من وجهة نظر الصوفيّين هو اقتباس العلم عن طريق المصادر الخارجيّة كالحواسّ والخيال وغيرهما، أمّا التحقيق والبحث فمعناه انبجاس العلم من المصادر الباطنيّة في داخل الإنسان فيرى الحقيقة التي تتحقّق في داخله.

أمّا الفرق الآخر بين هذين العِلمين فيتمثّل في أنّ بقاء العلم التقليديّ مرتبط ببقاء البحث والاستقراء والإيحاء إلى الآخرين، بينما يعود العلم التحقيقيّ إلى الإنسان نفسه والحقّ تعالى هو المشتري الوحيد لهذه البضاعة المُزجاة (شعر):

العلم قول لا روح له ولا حياة


وهو يعشق مَن يشتريه ويتتبّع الأثر

وإن كان الوقت مؤاتيًا لبحث العلم


لكن إذا لم يَشتره أحد مات واندثر

إنّما العلم التقليدي هو للبيع


فإذا اشتراه أحد فرح ومُنِحَ كلّ العِبَر

وما الشاري للعلم التحقيقيّ سوى الله


فسوقه رائجة وبضاعته للجودة لا تفتقر

ويُطلق مولوي على هذين العلمين اسم "العلم البحثيّ" أحيانًا، أو "العلم الكَشفيّ" أحياناً أخرى. وهو يستخدمهما للتعبير عمّا ذكرناه سابقًا. ويرى مولوي أنّه ليس الطبّ فقط أو الهندسة والأدب والفلسفة والكلام هي وحدها التي يمكن اعتبارها من العلوم البحثيّة والتقليديّة بل إنّ علم الحديث وعلوم القرآن والفقه هي الأخرى تدخل ضمن إطار العلوم البحثيّة (شعر):

أما ترى أنّ علوم الأنبياء


بلا كتاب ولا مُعيد ولا أوستا

وبلا الصحيحَين والحديث والرواة


لأنّ مشربهم هو ماء الحياة

لكنّ الأهمّ هنا هو أن نعرف موقف مولانا بدقّة إزاء هذين العِلمين. ولأجل ذلك لا بدّ لنا من الإشارة إلى الاستخدامات المختلفة لعبارات مولوي لنقوم بعد ذلك بتصنيف كلّيّ. تكرّر مديح مولوي للعلم البحثيّ والعلم الرّسميّ وذمّه لهما في ديوانه المثنوي مُعتبرًا إيّاهما المانع والحجاب الذي يقف بين الإنسان وبين وصوله إلى الحقّ والكمال. وبالإمكان تلخيص تقييمه للعلم البحثيّ والدنيويّ في المحاور التالية:

  1. العلم البحثيّ هو حجاب الإنسان وعبء ثقيل على عاتقه، وما لم يتخلّص الإنسان من ذلك العبء فإنّه سيظلّ محرومًا من رؤية نور الحقّ. والعلم الكشفيّ هو الذي يقود الإنسان بينما يقتضي على الإنسان جرّ العلم الرّسميّ وراءه (شعر):

إنّ علوم أهل الأفئدة هي حمّالتهم


وعلوم عبّاد الجسد عبء عليهم

فما وقع من العلم على القلب أعانه


وما طُبِع منه على الطين أثقله وأهانه

  1. بدلًا من أن يتّجه العلم البحثيّ إلى المدلول مباشرةً، فإنّه يُكثر من الوسائط والموانع. ونرى مولوي أحيانًا يصوّر رجلًا تعترضه النار، ولمعرفة كُنه هذه النار فإنّه يقطع البراري ويصعد الجبال باحثًا عن آثارها لكي يصل بذلك إلى جوهر تلك النار (شعر):

قضى عُمره في المحمول والموضوع


باحثاً عن المصنوع دون بصيرة

وكلّ دليل أو نتيجة وصل إليها


كانت عبثًا وباطلًا وانقطعت معاذيره

فهو لم يلحظ مانعًا غير المصنوع


ولم يقنع إلّا بالقياس الاقترانيّ كوزيره

وتراه يكثر من الوسائط الفلسفية


والدلائل وكلّ ما لا يُرضي أحدٍ ضَميره

لا جَرم أنّ هذا الهارب من الدليل والمجيب


سيبقى بعيداً عن المدلول في الحظيرة

وقد أورد صاحب المثنوي العديد من الحكايات الطريفة الأخرى محاولًا بيان كيفيّة قيام العلوم البحثيّة بمنع الإنسان من الوصول إلى الحقيقة. وفي موضع آخر ينقل لنا الديوان بأنّ حكاية هذه العلوم تشبه حكاية الشخص الذي يسمع المثل المشهور (ضربَ زيدٌ عَمروًا)، فلا يزال يُجادل في سَبب ضَرب زيد عمروًا وما الذي فعله عمرو ليستحقّ بذلك الضّرب من زيد بدلًا من أن يفهم أنّ المقصود من هذا المثال والغرض من إتيانه هو تعليمه قواعد اللغة العربيّة. أو الشخص الذي يُراد تعليمه لعبة الشطرنج فيُقال له مثلًا إنّ هذا المربّع هو مُخصّص للبيدق الفلانيّ، فيُجادل في سبب وضعه في هذا المربع وليس المربّع الآخر، وهل ورث هذا البيدق المربّع المذكور أم اشتراه؟[25]

  1. لمّا كان العلم البحثيّ مرتبطًا بالحسّ الظاهريّ ومتأثّرًا بالطبيعة الدنيويّة، فهو عاجز عن الدخول إلى ما وراء هذه الدنيا حيث العلم الكشفيّ، ولهذا يُسمّيه مولوي "علم بناء المعلف"، وقوام الحياة الحيوانية (شعر):

وكلّ تفاصيل علم الهندسة


أو الفلك وعلم الطبّ والفلسفة

تتعلّق بهذا العالَم الذي تراه


لا بالسماء السابعة كما تقول العامّة

كلّ هذا العِلم لبناء المعلفة


تُقتنى فيها الجمال وكذلك البقرة

ولأجل أن يُبقوها لأيّام حيّة


فقد سمّاها الهُبل بالرموز المعقّدة[26]

ولمّا كان هذا العلم (العلم البحثيّ) مرتبطاً بهذه الدنيا فإنّ مَن يحصل عليه لا يقصد بواسطته النّجاة والخلاص من عالَم الحسّ الذي يُمثّل عالَم الغربة للقلب والسجن المؤبّد للروح، يريد تثبيته في عالم الحسّ هذا ليكون أسير الشهرة والاعتبار بين الخاصّ والعامّ.

  1. إنّ العلم البحثيّ بأفكاره التافهة وآرائه الجوفاء تلويث النّفس والروح، ولذلك فإنّ البحوث والمناقشات التي لا تجدي نفعًا تسلب الفرص من الإنسان وتدخله في متاهات عديدة وطرق مسدودة، وتحول دون تحليق النفس المطمئنة من خلال إيذاء قلب الإنسان وجرحه (شعر):

تعمل براثن أفكارك الطائشة


على جرح النفس المطمئنة الجائشة

تخدش الفكرة السيئة السامّة


نفس الإنسان عميقًا وتلقي عليها اللائمة

ولا سبيل إلى حلّ هذه المشكلة


بعد أن غاصت المسحاة في عُمق المسألة

ويشير البيت الأخير أعلاه إلى أنّ مساعي العلم الرّسميّ لن تُجدي في حلّ المشاكل والعُقد العلميّة، بل على العكس فإنّها ستهدر رأسمال ثمين وقيّم وهو النفس المطمئنة وستشغله بالتلوّث والخيال والأوهام.

  1. العلم البحثيّ مَشوب على الدوام بالشكّ والظنّ، فلمّا كان الإنسان عاجزًا تمامًا في العلم البحثيّ من الوصول إلى الرؤية والمشاهدة، ويتمّ الاستدلال على أيّ أمر مجهول بالوسائط فقط، وقد يتمّ استخدام الواسطة أحيانًا بشكل غير صحيح وغير منطقيّ، فإنّنا نَجد بأنّ الإنسان في هذه المرحلة محروم من الوصول إلى اليقين والطمأنينة (شعر):

يرى هذا العلم الجناحين جناحًا واحدًا


فكان ظنّه ناقصًا وأبترا

فالطائر يسقط بجناح واحد


ولو حاول الطيران مرّتين وأكثرا

ويكون حاله الطيران والسقوط


آملًا أن يطير بجناح واحد إلى العُلا

ولمّا تبع الظنّ وفشل علمه


لم يَجد له رغم المحاولة جناحًا آخرا

فلو كان لديه جناحيْن لطار كجبريل


ولم يسقط مرارًا وكان اندحرا[27]

ومع هذا فإنّ مولوي يعتقد بأنّ جذور بعض هذه العلوم الرسميّة (العلوم التجريبيّة والفنّيّة) يرجع كذلك إلى الأنبياء ولا يمكن أن يكون أصل هذه العلوم نتيجة للحسّ والعقل الجزويّ. فلمّا حصلت العقول على هذه العلوم من الأنبياء حاول بسطها وتوسيعها، ودليل مولوي على ذلك هو أنّ العقل الجزويّ لا يمكنه بمفرده الوصول إلى مجهول مطلق وغير معروف تمامًا بل يحتاج إلى تعلّمه من شخص آخر (شعر):

علم الفلك والطبّ من وحي الأنبياء


وأنّى للعقل والحسّ الوصول إلى ذلك

فالعقل الجزوي ليس عقل استنباط


فهو متعلّم للفنّ ومحتاج لذاك

وهو قابل للتعلّم والفهم فقط


لكنّ علمه من صاحب الوحي والمَلاك

لا ريب في أنّ كلّ الحِرَف من الوحي


هو المعلّم الأوّل وزاد العقل في هذا وذاك

فهل ترى أيّ حرفة يمكن لعقلنا


أن يتعلّمها دون وحي أو كتاب أو مَلاك؟

وإن كان العقل ذكيًا وباحثًا


لكن ما مِن علم وحرفة دون حِراك

أتظنّ أنّ كلّ ذلك من هذا العقل


فهل يُعقل وجود علم دون وحي أو مَلاك؟[28]

والنقطة المهمّة هنا هي أنّ مولوي يرى بأنّه ليس من مهام العقل الجزويّ – الذي يُعدّ الحسّ وسيلةً من وسائله المستخدَمة – الكشف عن الحقائق المتعالية والمجرّدة، ولا الكشف عن المعادلات الطبيعيّة الخفيّة. وقلنا سابقًا إنّ العقل الجزويّ يحتاج لفهم الحقيقة (سواء أكانت الحقيقة مادّيّةً أو مجرّدةً) إلى مصادر أخرى وهو هنا ليس سوى مُقلّد. وبعد تلقّيه للحقيقة يقتصر عمل العقل الجزويّ على البحث والمقارنة والتقصّي في معلومات الحسّ الظاهريّ والباطنيّ، دون أن يحصل العقل الجزويّ على أيّ حقيقة زائدة[29]. ومن جهة أخرى فإنّ عمل الحواسّ الخمسة يقتصر على استقبال الظواهر الجارية، وأمّا المعادلات الطبّيّة والفلكيّة فإنّها خارجة عن إطارها؛ ولذلك لا بدّ من الاعتراف بأنّه لا يمكن لأيّ إنسان الوصول إلى هذه المجموعة من العلوم إلّا عن طريق الأنبياء والأولياء. وبعبارة أخرى، فإنّ هذه الفئة من العلوم (أي أصول وجذور هذه العلوم بالطبع) لا تصل إلى ساحة العقل الجزويّ إلّا بواسطة عقل الكلّ.

لكنّ الرسالة الأصلية للأنبياء وتأثيرها الأساسيّ لم تقتصر على هذا البُعد، بل كانت مهمّتهم التمييز بين الحقّ والباطل وبيان الحقائق النورانيّة وإيصال الأفراد المؤهّلين إلى شهود الحقّ[30].

الحبّ واليقين

أمّا المفهوم الآخر الذي ينبغي البحث فيه هنا هو حقيقة الحبّ ومكانته في سلسلة مراتب الحياة الكماليّة للإنسان. ويجب علينا الكشف حول ما إذا كانت هنا أيّ علاقة بين هذا الحبّ وبين اليقين، وبالتالي بين العلم والمعرفة.

وقبل البدء في ذلك من الضروري أن نذكّر ببعض النقاط التي تربط البحوث المذكورة مع البحث الحالي. ذكرنا آنفًا أنّ مولوي يرى أنّ المعرفة والكمال لدى الإنسان مرهونان بتجاوز العقل الجزويّ إلى عقل الكلّ. إضافةً إلى ذلك، يعتقد مولوي بأنّه ليس بالإمكان قطع هذا الطريق والوصول من مرتبة العلم التقليديّ إلى العلم التحقيقيّ عَبر العقل الجزويّ، فهذا الأخير لا يمتلك أساسًا أيّ معرفة أو علم بما وراء ذاته، بل ينكر ذلك حتّى عندما يكون في حالة طبيعيّة. وفيما يتعلّق بالتمثيل فإنّ مولوي يُشبّه عقل الكلّ بالبحر والعقل الجزويّ بالأمواج، فمهما حاولت الأمواج الوصول إلى عُمق ذلك البحر يقوم هذا الأخير بقذفها إلى سواحله. ويصف العقل الجزويّ أيضًا بالصحن الفارغ الذي كلّما أراد الامتلاء بماء البحر غرق وغاص في باطنه (شعر):

ما أكثر العوالم في العقل


ما أعظم مساحة هذا العقل

أمّا صورنا فهي في بحر العذاب


صحونًا تسير على سطحه جيئة وذهاب

فهي تسعى للامتلاء من مياهه


فإذا امتلأت غرقت في أعماقه

العقل مخفيّ والعالَم ظاهر


صورنا أمواج أو شيء منه ظاهر

فكلّما سعت الصوَر إلى الامتلاء


قذفها البحر بعيدًا خالية الدّلاء

وعلى هذا، فليس بإمكان الإنسان إدراك الحقائق في مرتبة العقل الجزويّ المحدود والتقليديّ، ويمكنه نَيل الحياة الجديدة عن طريق اتّصاله بعقل الكلّ فقط، وهذا التعالي والغوص في الأُفق البعيد لا يتيسّر إلاّ بمساعدة وإمداد من عقل الكلّ. وبعبارة أدقّ، ليس بإمكان العقل الجزويّ الذهاب أبعد من حدوده المقرّرة له، بل إنّ ذلك يدخل تحت قدرة عقل الكلّ الذي ينزل إلى الفضاء الإنسانيّ لدعوته إلى السّعي والمثابرة من أجل الوصول إلى تلك الغاية.

وهنا لا بدّ لنا من أن نعلم – وكما أشارت إليه الأبيات أعلاه – بأنّ عقل الكلّ ليس خارجاً عن العقل الجزويّ أو بمنأى عنه في أيّة لحظة أو ظرف إطلاقاً، بل على العكس إذ أنّ كلّ حركة أو جُهد يقوم به العقل الجزويّ مأخوذان من عقل الكلّ الذي يكون حاضراً مع الحياة الإنسانية في مراتبها. لكنّ هذا (الحضور) لا يصل دوماً إلى (الظهور)، حيث شبّه مولانا ذلك براكب الحصان الذي يسير بحصانه بسرعة مستمرّة ويتساءل عن مكان حصانه ظانّاً بأنّه قد سُرِق منه.

ولذلك وفي البداية كما يقول مولانا، لا بدّ من أن يضيء نور من عقل الكلّ (الكاشف للسرّ) على العقل الإنسانيّ لتشجيعه على الخروج من دائرة العالَم الطبيعيّ والعقل الجزويّ. وفي مكان آخر، يشبّه مولوي الساحة الإنسانية في مرتبة العقل الجزوي بالطائر الذي يعمل جاهداً على نَقر جدران العشّ محاولاً الخروج من تحت الأرض، ولو مُنِحَ ذلك الطائر جناحان لاستطاع الطيران بسهولة كالطيور الأخرى.[31]

قلنا قبل هذا أنّ (كاشف السرّ) يقوم بإلقاء هذا السرّ في (قلب) الشخص وفي ذلك إشارة إلى (جناح العقل)، ويمكننا إيجاد العديد من الشواهد في ديوان مثنوي حول هذا التعبير المزدوج الذي يشير مولوي إليه أحياناً بعبور العقل الجزوي إلى القلب، وأحياناً أخرى يستخدمه للتعبير عن مدخلية للعقل. وقبل أن نلحظ إشارة تلك الازدواجية إلى نوع من التضادّ في آراء مولوي، نرى أنّها تريد القول – ومن وجهة نظر مولانا – بأنّ مرتبة عقل الكلّ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفؤاد والقلب خلافاً للعقل الجزويّ الذي لا يتعامل ولا ينسجم إلاّ مع الحسّ والخيال والذّهن. ويمكننا العثور على هذه النقطة في كثير من المفردات والتعبيرات التي استخدمها مولوي وهي نسبته المعرفة الحقيقية إلى العقل، ولكن ليس العقل الشاهد للكثرة والهبوط، بل العقل الموحِّد والمُولَع بالميتافيزيقيا. وربما استطعنا القول بأنّ عقل الكلّ يقوم بأداء عمليْن مُكمّليْن في آن واحد: العمل الأوّل هو مَنحه الكمال للعقل الجزوي وتهيئته لرؤية الأُفق الواسع، أمّا العمل الآخر فهو إلقاء السرّ في قلبه لتسهيل مسيره في مقامات الوجود.

والخلاصة فإنّ الإنسان يجتاز العقل الجزويّ بنور المَدد الإلهيّ ولطفه – الذي يفيض من مجرى النور الأوّل وهو عقل الكلّ – ليصل بعدها إلى عالَم الحقّ – الأقرب إلينا منّا من الناحية الوجودية (شعر):

مَن يستطيع فكّ هذا القفل يا ودود


إلاّ فضلك ومنّك غير المحدود

إنّنا نطمح إليك وغير ذلك لا نريد


لأنّك أنت أقرب إلينا من حبل الوريد

وليس هذا الدّعاء إلاّ فضلاً منك


وأنّى للزهور أن تنمو إلاّ بفضلك

وهكذا فإذا لم يتفضّل علينا بنور لطفه فإنّ الإنسان لن يستطيع الوصول إلى حقيقة تفوق فَهمه وإدراكه وعقله الجزويّ (شعر):

ما كان للعقل أن يميّز بين الدّم والمصران


لولا فضلك وكرمك يا قديم الإحسان

والنقطة المهمّة هنا هي أنّ مولوي يعتقد بأنّ وسائل تلك الرؤية والمشاهدة هي مسألة لا تتجاوز الحقيقة الإنسانية، بل إنّ إدراك الإنسان وعقله يصلان مرتبة يمكنهما خلالها إدراك تلك الحقائق: (شعر)

تشرق من كلا جانبَيْ هذا النور


أمواج من النور تضيء السماء

وهذا اللسان الذي ليس إلاّ قطعة لحم


يلهج بحكمته وفضله كغدير الماء

ليدخل جحراً اسمه جحر الآذان


حتى يصل إلى بستان الروح حيث الرّيحان

وهنا يطرح سؤال نفسه بجديّة وهو: خلال الطريق نحو الكمال المعنويّ، إلى أيّ حَدّ يرافق العقلُ الإنسانَ – من وجهة نظر مولانا؟ وهل يمكن افتراض مرتبة يتوقّف عندها العقل عن التفكير ليضطرّ الإنسان بعدها إلى إكمال طريقه بوسيلة أخرى؟ على الرّغم من صعوبة الجواب على هذا السؤال، لكنّ ذلك ضروريّ لبحثنا هذا. وهنا لا بدّ من الإشارة أولاً إلى بعض الأمور التي اعتقد خلالها مولانا بوجود تضادّ بين الحبّ والعقل، ثمّ سنحاول البحث في هذه المسألة مع بيان مكانة الحبّ لنحدّد مكان ذلك التضادّ بدقّة ونُقيم له تصوّراً واضحاً.

العقل والحبّ

يرى مولوي أنّ هناك تصاحبًا بين ردّ فعل الدّين مع حبّ الحقّ، وأنّ الحبّ ممكن بواسطة "الذوق"؛ فالحبّ يسبّب الحَيرة. ولمّا كان العقل يصل بمفرده إلى المعرفة في ظلّ التمايزات والتصوّرات الواضحة، فإنّه عاجز عن إدراك المعارف الخاصّة بوادي الحبّ ودهاليزه، ولذلك يُصاب بالحيرة والدّوار (شعر):

إذا كنتَ في هذا البحث دقيقًا


لأصبحت للفخر الرازي رفيقًا

لكنّه كان كـ(مَن لَم يَذُق لم يَدرِ)


فاحتار عقله وخياله ولم يهتدِ

فبِع العقل والفنّ واشترِ الحيرة


لتحصل من الحيرة فوائد كثيرة

ففي لعبة العقل والحبّ الصمد


عشر أمثالها تُعطى يا وَلد

وهنا يشير مولانا إلى قصّة نساء مصر مع سيّدنا يوسف (عليه السّلام) فيحاول تناولها من زاوية الحبّ والعقل، ويعتبر ما قامت به النسوة إيجابيًّا، مفسّرًا استسلامهنّ لجمال يوسف (عليه السلام) بوضع العقل والحركة على مركب الحبّ.

وفي موضع آخر يشير ديوان مثنوي إلى حكاية بلقيس مع النبيّ سليمان (عليه السلام) عندما أرسلت بلقيس أربعين ناقةً تحمل الذهب هديّةً إليه. فلمّا وصل وفدها مملكة سليمان (عليه السلام)، ورأوا أنّ أرضها مفروشة بالذهب الخالص، علموا أن لا قيمة لهديّتهم أمام كلّ هذا المُلك، ففضّلوا العودة والرجوع إلى بلادهم. وهنا استغلّ مولانا هذه القصة ليفسّر بها مسألة الحبّ والعقل مؤكّدًا على أنّ إهداء الهدايا إلى الساحة الإلهيّة هو أمر غير منطقيّ وأنّه لا شيء أفضل من إهداء الحبّ حيث يُصبح العقل هناك أقلّ وزنًا وأحقر شيئًا من القشّة (شعر):

إنّ مَن يأتي بالذهب إلى أرض الذهب


كمَن جاء إلى أرض العجائب بالعجب

ومَن يهدي العقل إلى ساحة الإله


تفهت هديّته، إذ مَن يُهدي العقل سواه؟

ويُستفاد من هذه العبارات وما شابهها أنّ مولوي يؤمن بعجز العقل عن مشاهدة الجمال الربوبيّ، وأنّه لا بدّ هنا من التخلّي عن العقل. وقد يظنّ البعض أنّ ما قصده مولوي هو العقل الجزويّ وحسب عندما يريد السّير في هذا الطريق دون مساعدة من عقل الكلّ، وأنّه إذا استعان العقل الجزويّ بعقل الكلّ فإنّه لن يتعثّر في طريقه. ولقد أشرنا إلى هذه النقطة من قبل من ديوان مثنوي نفسه وقلنا إنّه إذا عمل العقل الجزويّ بالاستعانة بعقل الكلّ فإنّه لن يضلّ أبدًا (شعر):

لا تتّخذ العقل الجزويّ وزيرًا لك


بل اجعل عقل الكلّ وزيرًا يا مَلِك

ومع ذلك، يبدو أنّ الأبيات المذكورة تريد الإشارة إلى شيء أبعد من ذلك، وهو أنّها تعتبر الحبّ قائدًا وهاديًا في مرحلة من المراحل حيث لا وجود للعقل مطلقًا. ولتوضيح هذه المسألة سنقوم بجولة صغيرة في مفهوم الحبّ وآثاره في ديوان مثنوي.

التطابق بين الحبّ والعقل والعلم

من الواضح أنّ العرفاء – وخلافًا للحكماء – لا يبحثون في موضوع تعريف المقولات، بل يُعرّفون المسائل عن طريق الآثار والعلامات. وكذلك هو موضوع الحبّ، فهو غير مستثنًى من هذه القاعدة في ديوان مثنوي، خاصّةً إذا ما علمنا أنّ ديوان مثنوي معنوي يُمثّل شرحًا لأحوال وسيرة مولانا وتجاربه العرفانيّة، وهو لا يروم وضع النظريّات.

ويرى مولوي أنّ الحبّ هو قوّة تربط جميع الكائنات مع بعضها البعض. والأدهى من ذلك هو أنّ الوجود وحياة العالم مرتبطان بقوّة الحبّ. فحرقة النار، وهياج الخمر، وعنفوان البحر، والميول بين الأنثى والذكر، وتحوّل النحاس إلى ذهب، وشفاء الأوجاع، واستحالة المرارة إلى الحُلو، وصعود الجسم الترابيّ في المعراج، وتراقص الجَبل، وكلّ مَيل وانجذاب ورغبة موجودة في كائنات هذا العالم ما هو إلّا نتيجة نوع من الحبّ والعشق؛ بل ويُنسب مولوي سرّ خلقة العالم إلى سرّ الحبّ[32]. وهذا الحبّ الذي تذعن له جميع الكائنات غالبًا ما يصطبغ على الأغلب بصيغة وجوديّة، ويمكن ملاحظته لدى الإنسان والحيوان والجماد بشكل متساوٍ.

ولكن، يوجد في الإنسان حبّ من نوع آخر، كذلك مقارنةً مع سائر الموجودات المادّيّة والمفارقة الأخرى، وهو حبّ امتاز به دون غيره من الكائنات، حيث يأتي تميّز هذا الحبّ نتيجة نوع من أنواع المعرفة والعلم، وهو علم امتاز بالأسبقيّة على معرفة الأرواح الناشئة السابقة على جميع الكائنات، وكذلك ميزة التخصّص، وذلك بشهادة الآية الشريفة ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[33].

هذا، ولا يخلو ديوان مثنوي بالطّبع من الحديث حول العلم المذكور الذي يُعدّ مقدّمة الحبّ، حيث يُجمل صاحبه ذلك بقوله إنّه لا يعتبر العلم البحثيّ الفلسفيّ الذكّي مقدّمةً للحبّ بل مانعًا ورادعًا له. وهذا الذكاء الفلسفيّ نفسه هو الذي حال بين إبليس وبين حصوله على الحبّ، بينما أذعن آدم (عليه السلام) لعبوديّة الحقّ بهذا الحبّ. ومَثل الفيلسوف الذي يستخدم حِيَله وذكاءه كمَثل السبّاح الذي يحاول النجاة من الغرق بذكائه وفنّه، أمّا الحبّ فهو كالسفينة التي تنقذ الخواصّ من أقصى بحور الكمال والقُرب لتُوصلهم إلى برّ الأمان بسلام (شعر):

الحبّ يُسعد الإنسان وينقذه من العدم


الحيلة من إبليس والحبّ من بني آدم

الحيلة كالسبّاح الذي يخوض البحار


وما عاقبته في النهاية إلّا الغرق والاندحار

فدَع الكِبر والضغينة يا سبّاح


فهذا ليس نهر جيحون إنّه بحر يا طمّاح

إنّه بحر عميق لا نهاية له


يبلع سبعة أبحر وأكثر يا أبله

وما الحبّ إلّا كسفينة للخواصّ


فاترك كلّ شيء وتمسّك بالإخلاص

ودَع عنك الحيلة واشتر الحَيرة


فالحيلة ظنّ والحَيرة هي العِبرة[34]

ويشير مولوي إلى عِلم آخر في مقابل العلم البحثيّ والفلسفيّ، ويعتبر مقدّمة للحبّ، ألا وهو علم الأنبياء (شعر):

قدّم العقل ضحية للمصطفى


وقل حسبي الله وبه كفى[35]

لكنّ هذا العلم لا يتأتّى من الكتاب والدفتر، وهو ليس من العلوم النقليّة التي تقابل العلوم العقليّة. ويُسمّي مولوي هذا العلم بـ"علم وَحي الفؤاد"، وهو علم ينبغي تعلّمه من "الوليّ". وعندما يتعلّق الأمر بـ"قُطب الزمان"، فإنّ العلوم النقليّة تصبح باطلةً كبطلان التيمّم في حال توفّر الماء. وباجتياز ذهنيّة الفيلسوف وعلم أهل العلم، فإنّ الشخص يصل في سلوكه إلى حالة يصفه فيها الآخرون بالأحمق والجاهل. ومن وجهة نظر مولوي فإنّ هذا النوع من الجهل والحماقة يمثّل عين العلم ومقدّمة الحبّ (شعر):

ليتك لم تتعلّم ذلك العلم


وإذن لَما طمعت في سفينة نوح

وليتك كنت تجهل الحيلة


كالطفل يلتصق بأمّه كالجسد والروح

إنّ مَن لم يعتمد على ذهنه وعِلمه واعتبر نفسه أصغر العارفين ستكون له القدرة والاستعداد ليهنأ بطعم المعرفة الربانيّة اللذيذ ويستند إلى أصحاب المعرفة الحقيقيّة (شعر):

أو كنتَ قليل المعرفة بعلم النّقل


وإذن لَما خسرت علم وحي الأولياء

فلو فضّلت الكتاب على مثل هذا النور


لعاتبتك روحك المشتاقة لوحي الأنبياء

وهذا كالتيمّم مع وجود الماء


بمقارنة العلم النقلي مع قطب الأتقياء[36]

وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مهمّ: هل يرى مولوي أنّ هناك تضادًّا بين هذا العلم والحبّ من جهة وبين العقل من جهة أخرى؟ أم أنّه يمكن الجمع بينهم بشكل أو بآخر؟ لا شكّ في أنّ الجواب على هذا السؤال يمكنه أن يقرّبنا خطوةً إلى ما يقصده مولوي خلال سير مراحل الحياة الإنسانيّة. والجدير بالذكر أنّ مولوي نفسه يُجيب بوضوح على السؤال المذكور بعد تلك الأبيات.

ومولوي الذي يوصي بضرورة تضحية العقل للمصطفى، هو نفسه يأمر بتضحية العقل في سبيل حبّ الصديق. لكنّه سرعان ما يُبيّن بأنّ مراده من ذلك ليس محاربة العقل أو تحقيره، بل لأنّ مكانة العقل هي أوسع من كلّ ذلك. وتضحية العقل في رأي مولوي لا تعني تدميره والقضاء عليه بل يريد بذلك أنّه مع تضحيته في عالم الطبيعة فإنّه سيكتسب الحياة والخلود في عالم الحقّ. فالعقل بالأساس يمتلك ماهيّةً ميتافيزيقيّةً، وعندما يقع في حيرة في هذا العالم فإنّه يستسلم للنظرة الجزئيّة والسياحة في الخيال (شعر):

ضَحّ العقل قربانًا لحبّ الصديق


فالعقول تنتمي إلى ذلك العالم

فقد أرسل العَقولُ[37] العقولَ هناك


وبقي ههنا حيرانًا دون مَعالِم

ولو نجا عقلك من هذه الحيرة


لملأ العقل كلّ رأسك السالم[38]

إذًا، ولتجاوز هذا العقل لا بدّ من اختيار الحيرة ليمتلئ وجود الإنسان بالعقل والعلم بنور الحبّ ونزول المعرفة، وعندئذ لن يضطرّ العقل في تلك المرحلة إلى بذل الجهود الذهنيّة أو التمسّك بالصور العلميّة للوصول إلى المعلوم، بل سيقوم المعلوم نفسه بالتحدّث إليه والكشف عن بعض أسراره (شعر):

لن يتعب عقلك في ذلك الجانب


بل سيتحوّل هناك إلى بستان

فإذا كنت في صحراء لم تَر غيرها


وفي البستان لن ترى غير البستان[39]

مراتب الحبّ

لا ريب في أنّ أحد مميزات الحبّ المطلوب هو عدم الاقتصار على ذاته فقط، أو تحويل ذات الإنسان إلى الغير. ومن البديهيّ أنّه طالما كان الإنسان في مرحلة النفس والعقل الجزويّ، فإنّه لن يبتعد أكثر من مرحلة الذات مهما حاول، وإذا كانت جذور الحبّ متأصّلةً في أعماق النفس الإنسانيّة فإنّه لن يُثمر إلّا الأنانيّة والتعلّق بعالم الحسّ والطبيعة[40]، ولهذا فإنّ ما كان بعض الصوفيين يسمّونه بالعشق المجازيّ، والقول بأنّ الوصول إلى الحبّ الحقيقيّ لا يتحقّق إلّا من خلال محبّة الوسَماء، وجميلي الملامح والمُرْد[41]، يُمثّل لدى مولوي طريقًا مسدودًا[42].

ومن وجهة نظر مولوي، فإنّ "حبّ الصّور" المُقيّد بوَهم الخيال، ليس الحبّ المطلوب ولا يمكنه أن يكون جسرًا للوصول إلى الحبّ الحقيقيّ (شعر):

مَن كان عاشقًا للوهم والصور


لا يمكنه أن يكون عاشقًا ذو عِبَر[43]

فاترك حُبّ الصور يا صاح


فليس لك فيه أيّ شأن أو مَراح[44]

ومع ذلك فإنّ حُسن الصور هنا يبيّن الجمال الحقيقيّ، فإذا استطاع الإنسان إدراك ذلك فستصبح الأوهام والصور المذكورة مَعبرًا إلى العالَم الآخر (شعر):

إذا كان عاشق الوهم صادقًا


فإنّه سيعبر إلى الحقيقة لاحقًا[45]

فعشقه ظاهر ومعشوقه مستور


والحبيب في الخارج أمّا فتنته داخلًا تدور

فمَن كان معشوقه ذاك


فلا يهمّ إن كان عشقه هنا أو هناك[46]

وهكذا فإنّ الحبّ الإنسانيّ برأي مولوي عديم الفائدة وغير ضروريّ أبدًا مقارنةً بالحبّ الإلهيّ، ورغم أنّه كان يتجنّب الحبّ الصوريّ والجسمانيّ بشكل كبير، لكنّه كان يعترف بأنّ هذا الحبّ إذا اتّسع إلى ما وراء الصورة ووصل إلى معنًى مُحدّد واستطاع اجتذاب الأنفس إلى بعضها البعض، فإنّ ذلك سيُزيل الحالة الحيوانيّة عن الإنسان ليُعلّمه بعد ذلك حُبّ الغير والفناء فيه (شعر):

ومهما تكن وجهة العاشق


فعاقبتنا هناك هي القائد والسائق[47]

فعاشق ليلى العمياء والهزيلة


لم يَر العالم إلّا نعجة كليلة

واستوى عنده الذّهب والتُراب


فلا قيمة للذهب من دون عذاب[48]

وعلى أيّ حال، فإنّ الميزة الأهمّ لهذا النوع من الحبّ الإنسانيّ تكمن في تزكيته للإنسان والسيطرة على أنانيّته وتعليمه تفضيل الغير على ذاته والتضحية براحته ولذّته من أجل راحة الغير ولذّته. وعليه، وخلافًا للحبّ الحيوانيّ الذي لا يهدف سوى إلى الأنانيّة وإرضاء الذات، فإنّ الحبّ في هذا المقام ينتهي بحُبّ الغير وعبادته. ويعتبر مولوي هذه المرتبة من الحبّ أساس الكمال، ويرى أنّ تجربة الحبّ والتعرّف على عوالمه يُمثّل شرطًا واقعيًّا كغيره من أنواع الحبّ[49].

وأمّا الاختلاف بين الحبّ الحيوانيّ ومثيله الإنسانيّ (أي حُبّ الصّور الذي ينتهي بالمعنى)، فيكمن في أنّ العقل الجزويّ الذي لا يرى من الصورة سوى جمالها ولا يهمّه إلّا تحديد ما يحصل عليه من المنفعة، هذا العقل عاجز عن إدراك وفهم الحبّ الإنسانيّ، بل ولا يعترف به (شعر):

لمّا كان غذاء العاشق هو الرّحيق


فإنّ العقل يبقى وحيدًا دون رفيق

فالعقل الجزوي ينكر الحبّ إنكارًا


رغم علمه بأنّه صاحب السرّ مرارًا

فقد يكون ذكيًا لكنّه شرّ شر


فما لَم يهتد بمَلاك فهو في خطر[50]

وهناك مرتبة هي أعلى من مرتبة الحبّ، وهو ما يجده السالك المبتدئ بواسطة القطب والمرشد، أو بعبارة أدقّ، بالإنسان الكامل. ولم يقتصر مولوي على ذِكر هذا الحبّ في عدّة مواضع من ديوانه، بل لقد جرّبه هو نفسه بشوق وحرارة خلال علاقته مع شمس التبريزي وأتمّه إلى النهاية. وذكرنا سابقًا أنّ الإنسان الكامل يُعتبر تجليًّا لعقل الكلّ، وأنّه لا بدّ للعقل الناقص (الذي سمّاه مولوي من قبل بنصف العاقل) من أن يفني نفسه عند عتبة هذا العقل الكامل (شعر):

إنّ لديك عقلًا خفيًا هو جزويّ


فابحث عن العقل الكامل يا مولوي

ليتمّ بذلك الكلّ جُزؤك


ويصبح عقلك قَيداً لنفسك

فافنِ نفسك إذا غاب عقل كلّك


وادخل في ظلّ عاقل يرشد عقلك

فعقل الكلّ والنفس من أولياء الله


فالعرش والكرسي ليسا منفصلان، كلا

وهكذا، فاتّباع الشيخ والتعلّم منه هي أوّل خطوة في الطريقة والسلوك. لكنّ السؤال هنا هو: كيف يمكننا الالتحاق بالشيخ وقبول أفعاله والاستماع إلى أقواله دون قَيد أو شرط؟ إنّ العقل الجزويّ الذي يشكّك حتّى في عقل الكلّ ويتّهم الإنسان بالحماقة من خلال البحوث العلميّة والمنطقيّة كلّما أراد الإنسان التخلّص من أنانيّته (الفناء في الحقّ)، يحاول هنا أيضًا المقاومة والتملّص من الغيرية أمام الإنسان الكامل. وهنا لا يبقى أمام الحبّ كذلك سوى كبت العقل الجزويّ وتفريغه من الأنانيّة.

ويحاول صاحب الديوان شرح هذه المرحلة من الحبّ بإشارات قصيرة وعبارات موجزة حول الحبّ المولوي لشمس التبريزيّ. فحبّ مولانا لشمس تسبّب في تركه المدرسة والعلوم الرسميّة، وأن يهيم على وجهه في البراري والجبال بحثًا عن سرّ الحقّ مُضحّيًا بنفسه وروحه. وقد أكسبه هذا الحبّ شوقًا لم يستطع هو نفسه بيانه وشرحه[51].

لكنّ حبّه لشمس – الإنسان الكامل – لا ينبع من الإنسان نفسه بل هو عناية وتأثير منه حتّى وصوله إلى مرتبة السالك (شعر):

سأظلّ أبحث ما حييت عن شمس


وليكن ما أعانيه غدًا وما عانيت بالأمس

لكنّ مولانا يسرد حكايات أخرى لهذا النوع من الحبّ وبأمثلة مختلفة، بل ويعشق سماع أسرار المعشوقين على ألسنة الغير[52]، ولهذا، فقد أورد في ديوانه العديد من القصص في هذا الباب[53].

ويكتسب حضور الشيخ والقطب في فكر مولوي أهميّةً كبيرةً، وهذه المسألة التي كانت شائعةً في المدرسة الصوفيّة، تكتسب في رؤية مولوي لونًا خاصًّا ومكانةً متميّزةً. وكما نعلم، فقد كان شائعًا لدى مذاهب الزهد ومدارس الأخلاق، ومن خلال بيان التضادّ بين العقل والنفس، تشجيع الأفراد بتزكية النفس وتطهيرها، وإضعاف القوّة الحيوانيّة لتغليب العقل والشريعة على النفس. ولكنّ ذلك غير مُجدٍ في العرفان وخاصّةً في فكر مولانا، لأنّه طالما كان العقل يُراوح في عالَم الحسّ والطبيعة وفي ظلّ مرتبة النفس الحيوانيّة فإنّه عاجز تمامًا عن التغلّب على النفس.

ولذلك فإنّ الإنسان في هذه المرتبة بحاجة إلى طبيب عارف بخفايا نفسه، عالِم بتصرّفاته وسلوكه. وعندما يسلّم السالك نفسه إلى طبيبه فإنّ مسؤوليّة هذا الأخير تكمن في فتح الطريق أمام السالك لتقويم سلوكه وتزكية نفسه. ومن خلال إشراف الشيخ الدقيق على حالات المريد وتغيّراته النفسانيّة والروحانيّة، سيتمكّن هذا الطبيب من تشخيص أمراض مريده واحدًا بعد آخر، والعمل على معالجة كلّ واحد منها، وإيصاله إلى المنـزل المقصود عَبر بعض الإلقاءات والأعمال اللازمة. لكنّ مولوي يُذكّر هنا مرارًا وتكرارًا أنّ الحبّ في كلّ مرحلة هو السيّد على المعرفة والعلم القديمَين، وأنّ ما يجعل السالك مُطيعًا لشيخه وتابعًا لطريقته وسلوكه هي الأنوار التي تشرح صدره وتفتح عينيه على الحقائق.

لكنّ حُبّ الشيخ يبقى مجرّد سلّم للحبّ وواسطة له يعملان على إيصال السالكين إلى الطريق الرئيسيّ، فالغاية والمآل هو الوصول إلى الحقيقة لا غير، وما "طريقة" الشيخ سوى الطريق الفرعيّ الذي يُؤدّي إلى طريق "الحقيقة" الرئيسيّ (شعر):

ما الشيخ إلاّ سلّمًا يُوصل إلى الفردوس


وما انطلاق السّهم إلاّ بمساعدة القوس

فلن تستطيع الوصول إلى طريق الأثير


إلّا بمساعدة الشيخ، بل الشيخ الفقير

إذًا، يمكننا تصوّر وجود حُبّ هو أسمى وأعلى، من شأنه أن يوصل السالك العارف مباشرةً إلى حضرة الحبيب، وهذا الحبّ موجود في مكان ولا يظهر إلّا بإزاحة الستار عن جمال وَجه الحقّ فيتجلّى، ويجذب إليه ذلك العارف، حتّى يغدو العارف نفسه ذات الحقّ. وممّا يؤسف له أنّ مولانا لم يتحدّث عن هذا النوع من الحبّ إلّا قليلًا، بل وحتّى ما قاله في هذا الشأن أبقاه مستورًا وراء الحجب. ولا شكّ في أنّ سبب هذا الاستتار يعود إلى أنّ شرحه خارج عن حدود العقل والبيان، وأنّ اللسان عاجز عن وصفه بالشكل المطلوب (شعر):

الأقفال على شفاهي والأسرار في قلبي


لكنّ شفاهي عاجزة وقلبي مليء بالحديث

فأمّا العارفين ممّن شربوا كأس الحقّ


فيعرفون الأسرار لكنّهم أخفوا الغَيث

ومَن علّموه أسرار الحقّ


أغلقوا فَمه وحبسوا لسانه إلى حيث

لكنّ أحد المسائل المهمّة التي يتضمّنها ديوان مثنوي والتي أفصحت بعض الشيء عن مرحلة الحبّ هذه، هي قصّة بايزيد البسطاميّ مع مُريديه وأتباعه. ولعلّ كلّ المهتمّين بدراسة ديوان مثنوي يعلمون أنّ شخصيّة بايزيد البسطاميّ تحتلّ في الديوان المذكور مكانةً راقيةً في العرفان والحبّ. وقد نقلت عنه عبارات وجُمل مشهورة مثل "لا إله إلّا أنا فاعبدون"، و"سُبحاني ما أعظم شأني"، و"ليس في جُبّتي سوى الله"، وآثار تلك الكلمات وتأثيراتها واضحة في ديوان مثنوي. ويرى مولوي أنّ تلك الجُمَل تشير إلى المعرفة والحبّ الراقيَين لدى بايزيد عندما وصل إلى نهاية طريق السلوك العرفانيّ.

وفي هذه المرحلة من الحبّ لن يبقى أيّ أثر للأنانيّة والذاتيّة، ويصبح العارف خلالها فارغًا من ذاته تمامًا، وهذه الحالة بالذات هي التي وصفها بعض الصوفيّين بأنّها المرتبة الأعلى من مرتبة الإيمان والكفر لزوال جميع النسب والإضافات بشكل كامل.

ففي المراحل السابقة يتّجه السالك من العقل الجزويّ إلى عقل الكلّ عَبر تخلّيه عن النفس والطبع، لكنّه في هذه المرحلة يفقد ذاتيّته تمامًا، وهو لم يعد يرى سوى الحقّ تعالى. وربما يُستفاد من الأبيات التالية وأشباهها بأنّ الحديث هنا عن عقل الكلّ هو أمر غير ذي جدوى، لأنّ عقل الكلّ هو الصادر الأوّل وهو الواسطة بين الحقّ والخلق، بينما تخلو هذه المرحلة من أيّ واسطة (شعر):

هذا كلام مكتوب بماء الذهب


وكلّ ما تقوله تأتي به الريح

فالخمر خمر كلّها شرّ وذنوب


ليس فيها نور الحقّ ولا مصابيح

تريد إفراغك من كلّ مضمون


فتهوى وذلك الكلام ينقذك من القبيح

وإن كان النبيّ قد تلا القرآن


لكن لم يكفّره مَن قال فيه المَديح

فلمّا زالت الذات وانمحت


لم ينطق بذلك غير بايزيد الجريح

فمَحا سير الحيرة كلّ العقل


وانتصر مَن بدأ ذلك بالصريح

ما سوى الله في جبّتي هذه


فابحث في الأرض والسماء لتستريح[54]

لكنّنا نستطيع إيجاد شرح وتوضيح أكبر حول ذلك من الآثار العرفانيّة الأخرى، فقد نقل عن "عطّار النيسابوريّ" بعض الأقوال بهذا الشأن، بالإضافة إلى إمكانيّة العثور على حكايات عن هذه الحقيقة في الآثار العرفانيّة لابن العربيّ على شكل فكرة نظريّة. لكنّ أكثر مَن تطرّق إلى شرح هذا البحث بالتفصيل هي مدرسة العرفان في خراسان، وخاصّةً ما نجده في آثار الشيخ أحمد الغزّالي وتلميذه عين القضاة الهمَذانيّ.

وباختصار، إذا أردنا مقارنة هذه المرحلة مع ما ذكره العرفاء الآخرين، فينبغي علينا القول بأنّ "مقام فناء الذات" يُعتبر المرحلة النهائيّة والأخيرة التي تُقابل "الفناء الأفعاليّ" و"الفناء الصفاتيّ". فهؤلاء يرون بأنّ السالك يقوم في البداية ومن خلال سلب إرادته بمحو أفعاله في أفعال الحقّ وإرادته، ثمّ يفنى من صفاته ليتجلّى في صفات الحقّ، وأخيرًا يتخلّى من ذاته ليلتحق ويندمج بذات الحقّ.

وفي نهاية هذا الفصل نرى ضرورة الإشارة إلى مفهومين آخرين من المفاهيم الموجودة في فكر مولانا لكي تتّضح منظومة فكره أكثر وتتبيّن ملامحها بشكل أوسع. وأمّا المفهومين المذكورين فغالبًا ما يتمّ استخدامهما لبيان النسبة والعلاقة بين العناصر الثلاثة المذكورة وهي "المعرفة والعقل والحبّ".

الحَيرة

عرفنا في الصفحات السابقة أنّ الحيرة هي نتيجة التخلّص من "الذات" والنأي عن العقل الجزويّ المدرك للكثرة. وهنا يتعلّق الحديث عن حيرة العقل الجزويّ، لكنّ هذه الحيرة – برأي مولانا – هي نفسها وليدة المعرفة، ونقصد بذلك المعرفة المتعالية التي يعجز العقل الجزويّ عن إدراكها. وعليه، فرغم رؤية العقل للحقّ من خلال الشهود والعيان، إلاّ أنّه يبقى غير قادر على إدراك حالته وكيفيّته. وهنا، يتقدّم الحبّ ليتوسّط بين تلك العناصر ليبيّن طرق الكمال للوحي[55].

ويعتقد مولوي أنّ العمل الرئيسيّ الذي يقوم به الدين هو إيجاد الحيرة، لأنّه يتحدّث عن عالم غريب لا يمكن لسكّان عالم الحسّ والذهن تصوّره أو إدراكه (شعر):

إنّه يصوّر الأشياء دون سؤال


وما أقوله هو ضروريّ يا عارفين

تراه كما هو وأخرى غير ذلك


فالحيرة هي ما يقوم به الدّين

إذًا، لا ينبغي الخلط بين هذه الحيرة المستوحاة من العلم والمعرفة وبين الحيرة الناجمة عن الجهل والشكّ، ولا بين من يشتاق إلى حبيبه ويثمل ويحتار عند رؤيته وبين من يدير ظهره إليه فيحتار لعدم رؤيته إيّاه ويتيه، فبين هذا وذاك فرق شاسع (شعر):

لا كالحيران الذي يُدير ظهره له


بل كالحيران الغارق في حبيبه

فهذا يرى الحبيب بوجهه


ووجه هذا هو نفسه وجه حبيبه[56]

ويُبدي مولوي حساسيّةً مفرطة إزاء هذا الأمر، ويحاول جاهدًا تجنيب نفسه ممّا قام به أهل البحث والجدل بمقارنة "حيرة العارف" مع "شكّ الفيلسوف". ويعتقد مولوي بأنّ البرهان الفلسفيّ يُؤدّي إلى الظنّ ليصبح في النهاية علم اليقين، أمّا حيرة العارف تكون مع العيان والرؤية لتصل بعدها إلى عين اليقين (شعر):

ودَع عنك الحيلة واشتر الحَيرة


فالحيلة ظنّ والحَيرة هي العِبرة[57]

والحقيقة أنّ "الحيرة" هي رمز "الشعور بالألَم"، فمَن عانى ألَم فراق ذاته فإنّه لا يُوقِع نفسه في حبائل البحث والأفكار الواهية، بل تراه يبحث عمّا فقده في كلّ مكان. وهنا يسرد لنا مولوي حكايةً طريفةً يقول فيها: صفعَ رجل رجلًا آخر في قفاه بشدّة فأحدثت ضربته صوتًا، فهمّ المضروب بالمقابلة بالمِثل. فقال الضاربُ للمضروب: "أريد أن أسألك سؤالًا، فأجبني ثمّ اضربني بعدها. هل كان الصوت صادرًا من يَدي أم من قفاك"؟ فأجابه المضروب وهو يتلوّى من الألم (شعر):

قال: ليس ألمي بسبب هذا


فأنا أذكى من أن أجهل ذاك

فأنتَ المرتاح افهم هذا


فصاحب الألم بمثل هذا وذاك[58]

رأينا حتى الآن بأنّ مولوي أشار إلى نوعين أو مرتبتين للحيرة، المرتبة الأولى هي "حيرة العارف"، حيث يفقد فيها العارف عقله وصوابه بمجرّد رؤيته للحقّ ويحتار في مشاهدة جماله. والمرتبة الثانية هي "حيرة السالك" الذي وإن كان محرومًا بعدُ من رؤية الحقّ، فهو حيران لأنّه عرف ذاته وأدرك فراق ذاته عن الوجود، فظلّ يشتاق إلى تلك الناحية ويُجنّب نفسه من التفكير في عالم الكُثرة. لكن يبدو أنّ هناك نوعًا ثالثًا كذلك من الحيرة صوّره ديوان مثنوي يمكن تسميته بـ"حيرة المبتدئين"، وهم الذين لم يخطوا في الطريقة بعد، لكنّهم اعترفوا بعجزهم، لكن بدلًا من أن يستعينوا بعقلهم وفكرهم، أداروا ظهورهم لعالم الحسّ منتظرين وصول مدد الهداية الإلهيّة (شعر):

السعيد مَن كان عجزه وحيرته قوّته


ونام في رحاب محبوبه في العالمين

واعترف بعجزه أوّلًا وآخرًا


فمات بعد أن اختار دين المسنّين

فالحياة في الموت والمحنة


وماء الحياة في الظلمات يا مُهتدين[59]

ونستنبط من ذلك بشكل عامّ أنّ الحيرة تكون مصاحبةً للعجز والفقر في كلّ المراتب، فرؤية المرء عجزه وفقدانه ذاته وتسليم قلبه لفيض الحقّ وتخلّيه عن عقله وفنائه في الحقّ، كلّ ذلك تتخلّله مراحل تصاحبها الحيرة التي سرعان ما تزيد وتنمو (شعر):

فكُن حيراناً بلا جدل ولا جدال


حتى تصلك الرّحمة من المتعال

فإذا لم تدرك هذه العجائب


كنتَ متكلّفًا بقولك: نعم، في المصائب

وإذا قلتَ: لا، ضُربت عُنقك


وأقمتَ في العذاب طول عُمرك

فكُن إذًا حيرانًا وتائهًا


حتى يأتيك الله بنصرة ترضاها

فإذا أصبحت حيرانًا وفانيًا


فستقول بلسانك: يا ربّ يا هاديا[60]

الجذبة والعناية

لاحظنا كيف أنّ طلب اللطف الإلهيّ والعناية الربّانيّة يتبع الحيرة دائمًا، وعلمنا قبل هذا كيف بيّن مولوي استحالة السير في سوح الحياة تلك إلّا بمعونة الفيض النازل من الأعلى. وهنا يَجدر بنا الإشارة إلى مفهوم آخر ليكتمل هذا البحث ويتّضح أكثر.

يعتقد مولانا أنّه من الصعوبة بمكان على أيّ إنسان يريد الانتقال من مرحلة مُعيّنة إلى مرحلة أعلى منها الاعتماد على المؤونة والقدرة البشريّتين. وعليه، فإنّ الصعود إلى مرحلة أعلى يتطلّب معرفةً وشوقًا أكبر لا يمكن أن يصلا إلى الإنسان إلّا من حقيقة أسمى. ويُسمّى هذا المدد الغيبيّ في لغة العارفين بـ"الجَذبة"، حيث تُعتبر هذه المسألة من مميّزات المدارس العرفانيّة في مقابل المدارس الأخلاقيّة ومذاهب الزهد، الأمر الذي جرّأ العارفين على انتقاد الوعّاظ والزاهدين واتّهامهم بالاعتماد على هِمَمهم وقدراتهم وإمكاناتهم الذاتيّة (شعر):

إنّ ذرّة من الجذب تساوي الكثير


وأكبر من كلّ جهد وطاعة وعبادة

فجذبة الإله بآثارها وأسبابها


تروي الحكايات دون حرف أو شهادة

أيّ جاذب هذا الخفيّ المستتر


المتجلّي في كلّ العوالم بل وزيادة

فإذا كنتَ راغبًا في الجذب


فالجاذب هو الحقّ والمجذوب عبادَه

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ العناية تختلف في كلّ مرحلة من مراحل السلوك الإنسانيّ، سواء من حيث الكيفيّة أو الماهيّة، أو من حيث الطريق المؤدّي إليها. فبرأي مولوي تحصل هذه العناية في المراحل الأولى إمّا عن طرق الآيات التكوينيّة أو بواسطة المعجزات النبويّة، وربما عبر الوحي إلى الأنبياء. لكن في المراحل المتوسّطة فإنّ السالك يحصل على هذا اللطف من شيخه ومُرشده، وفي المراحل الختاميّة والنهائيّة تنـزل إلى العارف من الحقّ تعالى مباشرةً. وغالبًا ما يُسمّي الصوفيّون المرحلة الأخيرة بالجذبة، لكنّ ذلك لا يمنعنا من استخدامها في بحثنا هذا بشكل عامّ.

وهنا نريد إضافة نقطة وهي أنّ ضرورة حضور الجذبة الإلهيّة في السلوك لا يعني بأنّ الإنسان لا يمتلك أيّ دَور في أيّ من المراحل المذكورة، أو أنّ عليه أن يكفّ عن الاجتهاد والسّعي والاتّكال فقط على اللّطف الإلهيّ. فمولوي يحذّر بشدّة قائلًا إنّه على الرغم من كون الجذبة هي الأساس والأصل في قطع هذا الطريق، لكن لا ينبغي للسالك أن يقعد عاطلًا حتّى تصله تلك الجذبة (شعر):

                  

الأصل هي الجذبة لكن اعلم يا صاح


أنّ عليك العمل فلا تنتظرها

لأنّ تَرك العمل يولّد الضعف


فاعتمد على قوّتك ولا تهملها

فالجذبة كالطير الجفول فاحذر


فإذا رأيت الفجر فالشمعة اطفئها

تسكت أحيانًا وأحيانًا تحدّث


نشمّ رائحتها تارة وتارة نفقدها

فابحث وتمنّى ثمّ واصل البحث


هذه مقولتي فقل مقولتك، قُلها

كحافر البئر الذي يحفر بئرًا


ويزيح التراب ليحصل على مائها

إذا وصلت جذبة الحقّ كانت مَعينًا


يتفجّر ماؤها دون بئر تراها

                  

خلاصة الكلام

نستنتج ممّا قلناه حتّى الآن أنّ مولوي وعلى الرّغم من إيمانه بأنّ المراحل النهائيّة للكمال والمعرفة ليست ممكنةً إلّا في ساحة القلب بمساعدة جذبة الحبّ، لكنّ ذلك لا يعني نفيه للعلم والعقل إطلاقًا. فبدلًا من إنكاره للساحات الأخرى في الحياة الإنسانيّة، يحاول مولوي بيان المكانة الحقيقيّة لجميع القوى وقدرة كلّ واحدة منها. وقد حاول مولوي جاهدًا النأي بنفسه عن تطرّف بعض الصوفيّين ودراسة الإنسان من خلال هويّته برمّتها ووجوده كلّه، وهو يرى بأنّ عالَم الحسّ والعقل الجزويّ يشكّلان جزءًا من حياة الإنسان وأولى إمكانيّاته للوصول إلى العُلا والرقيّ. لكنّ ما يحوّل تلك الإمكانيّة والقدرة أحيانًا إلى سدّ منيع هو تجاهله حاجة العقل الجزويّ إلى المعارف الخارجيّة وعناية العالم الآخر. فالعلوم التافهة والفلسفات الذهنيّة ليست سوى نتائج للعقول الجزئيّة التي قيّدت نفسها في عالم الطبيعة في جُنح ظلمة الظنّ والخيال، دون أن تستعين بعقل الكلّ وعلوم الوحي، وحرمت بذلك من نعم الحقائق الميتافيزيقيّة.

إذاً، فإنّ سبب إلحاح مولانا على ضرورة حضور عقل الكلّ في عمليّة حصول الإنسان على المعرفة لا يعني مطالبته بوجوب تخلّيه تمامًا عن الطبيعة والعلوم الطبيعيّة، بل يقصد من ذلك أنّ معرفة الطبيعة كذلك لا تتحقّق إلاّ في ظلّ حقائق أسمى يمكن الوصول إليها. فكلّ علم يفتقد لهذه الميزة فإنّه عاجز ليس فقط عن معرفة الحقيقة بل يُمثّل كذلك حائلًا ومانعًا من الوصول إلى مراحل الكمال.

وهنا يمكننا الإشارة إلى فارق أساسيّ بين رؤية مولوي من جهة ونظرة الفلاسفة في باب العقل والمعرفة من جهة أخرى، وهو: في الوقت الذي يعتبر فيه الفلاسفة العقلَ كافيًا وقادرًا على الوصول إلى المعرفة ببعض الوسائط كالحسّ والبرهان، فإنّ مولوي يرى أنّ العقل لا يمكنه أن يكون عاملًا مساعدًا للوصول إلى الحقيقة والمعرفة إلّا بعناية من عقل الكلّ وجذبة حبّ الحقّ.

وأمّا الاختلاف الآخر فهو أنّ مولوي – وخلافًا للفلاسفة وأصحاب المذهب العقليّ – لا يرى اقتصار المعرفة على الإدراكات العقليّة، بل يؤمن بأنّ المراحل النهائيّة للمعرفة لا تتحقّق إلّا بعد تسلّط جذبة الحبّ على قلب المرء بشكل كامل وتسخيره لحسابه تسخيرًا تامًّا.

وباختصار، فقد قام مولوي بتنظيم وتصوير مراحل المعرفة الإنسانيّة بشكل احتفظ معها كلّ من العقل والحبّ بمنـزلته الخاصّة به، وإذا ظلّ كلّ منهما في مكانه فلن يحدث أيّ تضادّ بينهما على الإطلاق.


محمد تقي سبحاني باحث ايراني ترجمه عباس صافي

 [1]  باحث إيراني

[2]  بحث مقدّم في مجلة المحجة العدد 24.

[3]  راجع: بديع الزمان فروزان فر، الآيات والأحاديث في ديوان المثنوي؛ عبد الحسين زرين كوب، سرّ ني (= سرّ الناي)، ج١، ص (٢٧٧) فما بعد.

[4]  ديوان مثنوي، المجلّد الثاني، ص (٢٧٧) – ترقيم الأبيات مستند إلى نسخة (نيكلسون).

[5]  المصدر السابق.

[6]  راجع: ديوان مثنوي، المجلّد الأوّل، ص (٢٩١٤).

[7]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (١٩٦٠).

[8]  أي: العقل الإيمانيّ. ]المترجم [

[9]  ديوان مثنوي، المجلّد الرابع، ص (١٩٨٧).

[10]  المصدر السابق، ص (٢١٨٨).

[11]  لبّ اللباب، الكاشفي، ص (٤١). والإشارة إلى عالم (ألستُ) تعود إلى الآية الكريمة {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}، سورة الأعراف، الآية 172.

[12]  السيد صادق گوهرين، شرح اصطلاحات تصوّف (= شرح مصطلحات الصوفية)، ج٢، ص (٢٣٦).

[13]  ديوان مثنوي، المجلّد الرابع، ص (٤٠٨).

[14]  المصدر السابق، ص (٢١٧٩).

[15]  المصدر السابق.

[16]  المصدر السابق، المجلّد الخامس، ص (٤٥٩).

[17]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (٢١٧٨) و(٢١٨٨).

[18]  المصدر السابق، ص (٢١٩١).

[19]  المصدر السابق، ص (٢١٩٣).

[20]  المصدر السابق، ص (٢٢٠٦).

[21]  المصدر السابق، ص (٢٢٧٩).

[22]  المصدر السابق، ص (٢٢٩٤).

[23]  المصدر السابق، ص (٢٢٨٧).

[24]  بحار الأنوار، ج١، ص (١٦٨).

[25]  ديوان مثنوي، المجلّد الثاني، ص (٣٦٢٧).

[26]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (١٥١٦).

[27]  المصدر السابق، المجلّد الثالث، ص (١٥١٠).

[28]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (١٢٩٤).

[29]  يمكن مقارنة هذه المسألة مع ما هو مطروح في المدارس الفلسفية التجريبية الحديثة (مثل مدرسة ديفيد هيوم وجون لوك) حيث قام (كانط) بصياغتها بشكل حديث.

[30]  ديوان مثنوي، المجلّد الثاني، ص (٢٨٠).

[31]  المصدر السابق، ص (٢٤٣٤).

[32]  عبد الحسين زرين كوب، سرّ ني (= سرّ الناي)، ج١، ص (٤٩٣) فما بعد.

[33]  سورة البقرة، الآية 31؛ وانظر، ديوان مثنوي، المجلّد الثاني، ص (١٥٣٢).

[34]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (١٤٠١).

[35]  المصدر السابق، ص (١٤٢٥).

[36]  المصدر السابق، ص (١٤٠٨).

[37]  المقصود بالعَقول هنا هو (صاحب العُقول). راجع: نيكلسون، شرح مثنوي معنوي، ج٤، ص (١٥١١).

[38]  ديوان مثنوي، المجلّد الرابع، ص (١٤٢٤).

[39]  المصدر السابق، ص (١٤٢٧)؛ راجع كذلك: قصة المجنون والناقة لبيان التحدّي بين الحبّ والعقل.

[40]  تحاول أوّل قصّة في ديوان (مثنوي) وهي قصة الملك والجارية، تحاول البيان بوضوح بأنّ الجارية لم تحظ بحبّ الملك – وهو الحبّ الحقيقيّ – إلاّ بعد أن تمكّنت من التخلّص من حُبّ الصائغ الشابّ.

[41]  مفردها (أمْرَد)، وهو الشابّ طرّ شاربُه ولم تنبت لحيته. (المنجد في اللغة، مادة «مرد»). ]المترجم [

[42]  راجع على سبيل المثال: ديوان مثنوي، المجلّد الأوّل، ص (١٨٧٢)؛ المجلّد السادس، ص (٣٨٤٣)؛ المجلّد التاسع، ص (٣٦٤).

[43]  المصدر السابق، المجلّد الأوّل، ص (٢٧٥٩).

[44]  المصدر السابق، المجلّد الثاني، ص (٧٠٢).

[45]  المصدر السابق، المجلّد الأوّل، ص (٢٧٦٠).

[46]  المصدر السابق، المجلّد الثاني، ص (٧٠١).

[47]  المصدر السابق، المجلّد الأوّل، ص (١١١).

[48]  المصدر السابق، المجلّد الخامس، ص (٢٧١٩).

[49]  عبد الحسين زرين كوب، سرّ ني (= سرّ الناي)، ج١، ص (٥٠٢)

[50]  المصدر السابق، المجلّد الأوّل، ص (١٩٨١).

[51]  المصدر السابق، ص (١٢٣).

[52]  المصدر السابق، ص (١٣٥).

[53]  المصدر السابق، المجلّد الثالث، ص (٣٦٨٦)؛ المجلّد الخامس، ص (١٨٥٧).

[54]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (٢١٠٢).

[55]  المصدر السابق، المجلّد الثاني، ص (٥٧).

[56]  المصدر السابق، المجلّد الأوّل، ص (٣١١).

[57]  المصدر السابق، المجلّد الرابع، ص (١٤٠٧).

[58]  المصدر السابق، المجلّد الثالث، ص (١٣٨٠).

[59]  المصدر السابق، المجلّد السادس، ص (٣٨٢٧).

[60]  المصدر السابق، ص (٣٧٤٨).

صور اخرى
اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 1437 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم