Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
20˚C
مشمس
2018-12-19
13 ˚C الصغرى
22 ˚C / 13˚C 2016-02-14
24 ˚C / 14˚C 2016-02-15
24 ˚C / 14˚C 2016-02-16
27 ˚C / 16˚C 2016-02-17
((الفلسفة العراقية من الريادة إلى الحداثة ))
2015-11-23 16:16:02

((الفلسفة العراقية من الريادة إلى الحداثة ))
مقرر الندوة واعداد التقرير :ضياء المحسن.
التصور :الاعلامي صباح الشمري

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الذي أقرته منظمة اليونسكو أقام منتدى فيض للثقافة والفكر بالتعاون مع المركز الثقافي البغدادي ندوته الفكرية الثالثة والأربعين بعنوان (الفلسفة العراقية من الريادة إلى الحداثة) بمشاركة الدكتور علي حسين الجابري أستاذ الفلسفة في بيت الحكمة وجامعة بغداد والجامعة المستنصرية سابقا و عضو الفريق الفلسفي الاستشاري في بيت الحكمة الذي كتب أكثر من 46 مؤلف وله أكثر من 187 بحثاً عراقياً وعربياً وعالمياً وأدارت الندوة الكاتبة أيمان العبيدي في قاعة العلامة حسين علي محفوظ /المركز الثقافي البغدادي صباح يوم الجمعة الموافق 20/11/2015 .

وتضمنت الندوة محورين :-

الأول : الفلسفة في حضارة وادري الرافدين.

الثاني:حكاية خمسين عام مع الفلسفة العراقية المعاصرة .

ابتدأت الندوة الكاتبة ايمان العبيدي بمقدمة جاء فيها ما يلي:-

تعد الفلسفة من أهم الميادين الإنسانية التي أبدع فيها الفكر الإنساني بجانبيها الحواري و التواصلي و تباينت الفلسفة الحديثة عن القديمة كونها ركزت على نظرية المعرفة أكثر من نظرية الوجود على الرغم من وجود جوانب كثيرة بينهما .

من الصعوبة إيجاد تعريف دقيق للفلسفة عند اي فيلسوف لان المهام التي تولاها الفلاسفة تختلف من عصر لأخر.

ثم بينت مديرة الندوة ايمان العبيدي : ان من ابرز رموز الريادة والإبداع الفكري العراقي الدكتور عرفان عبد الحميد الذي يُعد رائداً في تأسيس فكرة الكتابة عن الفلسفة العراقية و قد بين إن الفلسفة هي جملة من المعارف العلمية التي هي حصيلة الاجتهاد الإنساني الرفيع القائم على المناقشة العقلية الواعية و النقد النزيه الذي لا يقيم وزناً لغير الحجة و البرهان و هذا المعنى يترادف بمضمونه و محتواه مع العلم في أدق تفاصيله لكنه يكون نقيضاً مع الشعر و التاريخ و التجربة الدينية باعتبارها نتاج تجربة وجدانية أهمها الحدس و الإلهام و البصيرة الباطنة التي لا شأن لها بالعقل لكنه يرى إن الفلسفة بمنهجها العقلي محاولة إنسانية سامية تحاول إسقاط الأفكار السائدة و الاعتقادات المألوفة التي لا سند لها.

ومن أهم رواد الفكر الصوفي ايضا المفكر الدكتور مصطفى كامل الشيبي الذي يعد أنموذجاً حيا للفكر العراقي الرصين ورائداً في الإبداع الفلسفي و تجليات العقل العراقي الرصين حيث سطر صفحات إبداعه عبر الشعر و النثر و التدقيق و التحقيق اهتم بالشكل و المضمون إضافة إلى تخصصه الأكاديمي

ولابد من المرور بذكر المفكر حسام الدين الالوسي الذي أعطى أهمية بالغة للفلسفة ودورها في البناء الحضاري وبين أنها سلسلة من الأنظمة الفكرية و القيم المعرفية و أن المنهج الأمثل للدراسة للفلسفية المنهج التكاملي عبر بحوثه و كتاباته.

إلى هنا أنهت الكاتبة ايمان العبيدي مقدمتها حول موضوع الندوة مهدت من خلالها الطريق للسياحة الفكرية التي ينتظرها الحاضرون مع الدكتور علي حسين الجابري للحديث عن (أم العلوم) في وادي الرافدين وعن تجربته معها خلال خمسين عام من العطاء .

*رحب الباحث بالحضور وأثنى على أدارة المنتدى للاحتفاء باليوم العالمي للفلسفة وأشار إلى انه المرة الأولى التي يتم فيها استذكار هذا اليوم من قبل المحافظة والمركز الثقافي البغدادي و أضاف على أنها بادرة طيبة لانتقال الفلسفة من أروقة الجامعات إلى هذه المنتديات حيث عدها بمثابة فتح النوافذ للمتلقين للتعرف على الفلسفة عن كثب، وأضاف الباحث إذا أردنا أن تكون الفلسفة في رحاب الإنسان وان لا تبقى في الأبراج العاجية ما علينا سوى إتباع هذا النهج الذي تقومون به لترجع المائدة العراقية مليئة بالمعرفة بعد أن جفت اغلب الموائد منها، وبعد هذه المقدمة تحول للحديث عن تاريخ الفلسفة في وادي الرافدين ومما جاء في هذا الحديث :

قبل الميلاد بعشرة ألاف سنة حدث الطوفان العظيم في العالم حسب الدراسات الجيولوجية وبدأ تاريخ جديد للبشرية وثقت فيه الكثير من الجوانب الحياتية للأقوام التي عاشت في تلك الفترة وعثر المنقبين على أثار ورقم فيها كتابات نقلت ألينا معلومات غاية في الأهمية حيث بينت كيف كانت الحياة في وادي الرافدين وكيف اكتشفت الكتابة وانطلاق الثورة المعرفية والتجمعات البشرية في بلاد مابين النهرين ومن أهم المكتشفات التي تمثل الجانب المعرفي هي ملحمة كلكامش هذه الملحمة التي أبهرت العالم والتي بينت أن كاتبها يمتلك ماضي عريق حيث نجد فيها عدت اسأله من ضمنها السؤال عن المصير وعن سبب الوجود وما هو دور الإنسان في هذا العالم أو الوجود والسؤال المهم هو عن العدالة وكيف يمكن إن نحييها وهذه أسئلة فلسفية بحته توصل اليها كاتب الملحمة وايضاً جاء فيها ان الجسد يفنى والباقي هو المعرفة والعمل فابحث عن عمل يخلدك كي تبقى خالداً، كل هذا كان دليلاً على إن الفلسفة كانت حاضرة في بلاد وادي الرافدين ولكن بمسمى آخر غير كلمة الفلسفة .

والقول بأن الفكر الحضاري السابق هو الفلسفة اليونانية هذا خطأ تاريخي وقع فيه الكثيرون ، لقد توفرت لدى الباحث العديد من الشواهد التاريخية على نبوغ الفكر الفلسفي في بلاد وادي الرافدين منذ القدم ولكن بمصطلحات أخرى كمصطلح (نيميقي) الذي كان يستخدم في بلاد مابين النهرين في ذلك الزمن الذي سبق الفكر اليوناني .

وأشار الباحث إلى أن ثورة الميتافيزيقيا و الأسئلة الكبرى التي انطلقت في وادي الرافدين والتي أطلقها النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث مثلت ثورة التوحيد وحلقة في تطور وعي الإنسان الذي مازال مستمراً بعكس الغرب الذي يعد أسير الطبيعة الى الآن حسب ما أشار الباحث الألماني المعروف (سبنكلر) في كتابة الشهير (تدهور الغرب) و بين فيه ان الغرب لم يتخطى هذه الأسئلة الميتافيزيقية بعكس الشرق الذي أوجد إجابات عليها ويتساءل (سبنكلر) لماذا اختص الشرق والعراق تحديداً بظاهرة الأنبياء ؟

نعم لقد انطلقت التساؤلات الكبرى في بلاد مابين النهرين منذ القدم

ويذكر الباحث قصة قديمة يعتبرها من أجمل النصوص المترجمة من السريانية إلى العربية التي وصلت الينا ونشرت عام 76 وهي تتحدث عن معنى الوطنية وتدين الخيانة وفي هذا النص قصة عن احد حكماء الدولة الأشورية وكان اسمه (أحيقار) في زمن الملك (سنحاريب) والذي كان مستشاراً للملك وله كتاب "حكم أحيقار" المكتوب بحوالي 500 ق.م. بالآرامية والذي عثر عليه في إلفنتينبمصر العليا.

حيث تعرض إلى محنة مفادها أن حامل الأختام لفق تهمة ضد احيقار مستشار الملك واتهم احيقار بالخيانة وقدم حامل الاختام دلائل مزورة للملك مما أدى إلى أن حكم الملك سنحاريب على احيقار بالموت وأصدر الأمر إلى قائد الجند بإعدام احيقار وعندها شاع الخبر في إرجاء المنطقة، وعندما علم الفراعنة بموت احيقار أرسلوا رسالة تحدي إلى سنحاريب وكان التحدي في وقتها يعتمد على المسائل الفكرية ومن تتحقق له الغلبة الفكرية يأخذ جزية من المغلوب لمدة ثلاث سنوات وعندما وصل التحدي إلى سنحاريب ندم على قراره بإعدام احيقار لأنه الوحيد الذي بإمكانه الوقوف ومجابهة الفراعنة بما يملكه من حكمة ودراية وعدها قام بلوم الحاشية وقائد الجند لعدم وقوفهم بوجه قرار الإعدام وعندها قام قائد الجند وقال أن احيقار لم يمت وهو حي وإنني لم اقتله ولم أنفذ أمر الإعدام الذي صدر به .

ففرح الملك عند سماعة بالخبر وأمر بإحضار احيقار واعتذر منه ثم أمره أن يجابه الفراعنة بما يمتلك من حكمة وعندها ذهب احيقار فتفاجئ الفراعنة عندما علموا بمجيء احيقار وعند المناظرة هزم احيقار جهابذة الفراعنة وعاد منتصراً ورفعت أشور رايتها وحافظت المملكة على ثرواتها.

واشار الباحث هنا إلى أن ارض مابين النهرين كان فيها حكماء وفلاسفة لهم الأثر الواضح في أغناء الفكر في تلك الأزمنة الموغلة في القدم.

ويبين الباحث في هذه القصة إلى أن محنة هذا الحكيم سبقت محنة سقراط وابن رشد ويبدو أن للحكماء محن على مر التاريخ ويشير ايضاً إلى إن ثروة الأمم ليس في ما تمتلكه من ثروات طبيعية بل بقدر ما تملكه من مفكرين وعلماء ....

ثم عرج الباحث على تعريف الفلسفة فعرفها من وجهة نظره على أنها: القدرة في الإجابة على الاسئلة الكبرى أخلاقية أو كونية بأقل قدر ممكن من الألفاظ.

ويذكر الباحث إلى إن ابن خلدون وجه إليه سؤال حول تعريف الحضارة فأجابهم إن الحضارة تعني:طريقة عيش الجماعة.

وطريقة العيش يمكن ان تؤلف فيها المؤلفات

في إشارة إلى إن الإجابة مختصرة و واضحة .

بعدها انتقل الباحث إلى الفترة الإسلامية وما للفلسفة من حضور في هذه الفترة وذكر إن المرحلة كانت تستوجب التسليم أي إن المؤمنين بالنص المنزل يدافعون عنه وينحازون إليه وغيرهم يرفضونه ويقارعونه ويطاردون إتباع الدين الجديد تحت عناوين كثيرة ودوافع كثيرة ولكن بعد إن مرت سنوات وبدأت الخلافات والتقاطع وبدأ العقل يتأمل النص وكل عقل له وجهة نظر والعقل للإنسان والنص مقدس صادر عن المطلق والعقل الإنساني وسائله محدودة فحدث نوع من أنواع التصادم بين إرادة الإنسان في فهم الحقائق وبين مقتضيات النص الميتافيزيقية ،

أذاً هناك ثلاث مراحل مرحلة التسليم وهي الأولى والثانية هي مرحلة محاولة فهم النص والدفاع عنه على أساس عقلي إما الثالثة فهي مرحلة البحث في مشكلات الكون والحياة خارج إطار الدين والوجود فأصبحت للفلسفة مكانة في هذه الفترة التي كان رائدها الكندي وبدأ العقل العربي الإسلامي يستوعب الفكر الإنساني من الشرق والغرب و يشتغل عليه ويخطأ من يظن إن العقل العربي الإسلامي تأثر بالفلسفة الإغريقية المادية وأنتج وجهات نظر في قضايا الفلسفة والحياة،العقل استوعب مناخه الفكري وبدأ وهو يمتلك أجوبته في حوار الآخر وفهمه والإطلاع على فكره .

فكان في تلك الفترة (بيت الحكمة) يصدر الكتب وتستلم منه بلاد الشام والقاهرة في مصر و القيروان فبلاد المغرب العربي فتجد (رسائل إخوان الصفا) تخرج في البصرة وبعد شهرين تجدها في الأندلس مروراً بالمغرب العربي (في أشارة من الباحث الى النشاط الفكري في تلك الفترة) فتجد محمد بن زكريا الرازي يتحدث عن الحكماء الخمسة ونجد الفارابي يتحدث عن المدينة الفاضلة الى ان دخلت السياسة في الدين والفلسفة وهنا دخلنا مرحلة جديدة هذه المرحلة مقترنة بحدث قبلها وهو ما قام به المعتزلة (انصار حرية العقل) الذين اجبروا الآخرين على فكرة خلق القرآن وجاء الرد عليهم من الاشاعرة ألا ان ردت فعل السلطة كانت أشد وكان الموقف حازم وتدخلت السلطة بوجه هذه الآراء واتخذ الخليفة العباسي القادر لدين الله سنة 370ه قرار بحرق الكتب التي تحمل مثل هذه الأفكار وحرق من يتبنى هذه الأفكار أن لم يتوب وبدءوا يذهبون إلى الكنائس متخفين يتداولون أفكارهم ويتدارسون حيث بدأت مرحلة التضييق ومحاربة حرية الفكر.

ويشر الباحث الى انه في هذا المناخ الذي أتاح للإمام الغزالي إن يؤلف كتابه المشهور (تهافت الفلاسفة)

وبعدها جاء كتاب (تهافت التهافت) لأبن رشد رداً على الأول.

بعدها واصل الحديث على ان وصل إلى الفترة المظلمة وهي فترة الاحتلال المغولي لبغداد.

المحور الثاني:-

بعدها سألت مديرة الندوة الكاتبة ايمان العبيدي الباحث عن تجربته مع الفلسفة طوال خمسين عام من حياة الباحث وهو المحور الثاني من الندوة وعن علاقته بالأساتذة عرفان عبد الحميد ومصطفى كامل الشيبي وحسام الدين الالوسي ودور الرواد في إنتاج المعلومة الفلسفية فأجاب الدكتور انه سؤال يطول الجواب عليه ولكني سأختصر وان كان الاختصار قد يكون مخل ولكني سأجيب قدر المستطاع .

رسمياً دخلت الفلسفة في العراق عام 1969 حيث أسس قسم الفلسفة في كلية الآداب /جامعة بغداد وبقيت فترة ثم اقفل القسم وأعيد فتحه بعد ثورة 14 تموز وتحديداً عام 1960 .

ودخلت الى قسم الفلسفة في الستينات من القرن الماضي وهنا يذكر قصة شيقة لا مجال لذكرها حول كيفية قبوله في القسم، يقول الدكتور الجابري انه في أول يوم له في القسم كان الدرس الأول لصالح الشماع والثاني مصطفى كامل الشيبي والثالث ياسين خليل ويذكر انه تلقى دروس في الاجتماع على سيد الدكتور علي الوردي ودروس في اللغة على يد الدكتور علي جواد .

يقولالباحث إن الشيبي رعاه رعاية خاصة إلى إن تخرج حيث يعده والده الروحي ويقول كان الشيبي يدعوني بابني وكان يدربه تدريب خاص حيث يعطيه كتاب ويطلب منه ملخص له وكان أسلوبه مميز وناجح في رفع مستوى الجابري واستمرت علاقته معه بعد التخرج ايضاً .

يضيف الجابري إن لكل واحد من الأساتذة طريقته الخاصة ولونه الخاص في البحث عن الحقيقة.

ويكمل حديثه عن أستاذه الشيبي وكيف انه اكمل الدكتوراة في انكلترا وتخرج من جامعة كامبردج وكانت رسالته في الفكر الشيعي إلى القرن الثاني عشر ويذكر لنا إن الشيبي اهتم بالأدب وخصوصاً الأدب الصوفي وحقق لنا دواوين للحلاج وكان من المشتغلين البارزين حول الحلاج وانتقد مسنيون وكشف العديد من أخطاءه في قراءته لدوافع وتصورات الحلاج.

واسترسل الباحث حول علاقته بالشيبي وكيف أنها استمرت فترة طويلة جداً .

ثم عرج بنا الى الأستاذ مدني صالح وقال رغم انه لم يحصل على الدكتوراه والسبب انه (كتب بطريقة عراقية .

وذكر الجابري ان بلاد العراق بلاد الفرق والجماعات والمشكلات بسبب التأويل وكيف إن التأول اخذ مأخذه منهم وهو احد أسباب فتح الفهم المتنوع للبشر في ضوء معرفتهم .

عرج بعدها على محنته في رسالة الماجستير وكيف انه اجتازها بصعوبة بالغة متنقلاً بين القاهرة وبغداد وكيف أنها تعادل الدكتوراه لو طبقت المعايير البريطانية آنذاك في الجامعات العراقية ،إما عن رسالة الدكتوراه فكانت له محنه حقيقة استطاع من اجتيازها و حصل على الدكتوراه عام 1990 م .

فكانت للدكتور علي حسين الجابري حياة حافلة مع الفلسفة قدم فيها مسيرة جليلة من العطاء الدائم والمستمر حتى لحظة إعداد هذا التقرير حيث أنهى الجابري حديثه بقوله :

(لازلت طالباً ابحث عن الحقيقة).

ثم كانت هناك ورقة بحثية للدكتور الاستاذ رائد جبار كاظم تحت معنونة (الفلسفة في زمن الكراهية) جاء فيها :

اليوم العالمي للفلسفة تقليد سنوي اقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافة(اليونسكو) في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني من كل عام، وله عنوان وموضوع مختلف من عام الى آخر، والعنوان الذي تم اقراره هذا العام هو (السلام والتسامح العالمي)، وذلك بسبب التطرف والعنف والحروب والدمار والكراهية التي اصابت العالم في كل دوله وشعوبه ومجتمعاته، من قبل الحركات الارهابية التكفيرية المتطرفة التي انتشرت بصورة غير طبيعية في العالم، والتي تتغذى على افكار وايديولوجيات عنفية دموية تدميرية لا تمت للانسانية بصلة، ولا علاقة لها بأي اخلاق او اديان او فلسفات رحمانية وفاضلة، فوحشيتها وعدوانيتها وكراهيتها وعنفها واضح للعيان، وهذه الحركات الارهابية المتطرفة معادية تماماً لكل خلق فاضل ولكل حكمة وفضيلة وسلام، لانها حركات ضالة وغير متوافقة مع ذاتها وتعاني من جهل وهمجية وعدوانية في منظومتها الفكرية وخطابها مع الآخر.

منذ بدأت الحياة على هذه الارض بدأ الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، ولم يكن هذا الصراع بين اناس من كوكب الارض واناس من كوكب آخر، بل كان الصراع على هذا الكوكب من قبل الانسان تجاه أخيه الانسان، ومورست اشد العدوانية والكراهية على هذه الارض منذ اول وهلة، حيث قتل قابيل اخاه هابيل، وتلطخت يد الانسان الشرير بالدماء، بينما الانسان الخير والحكيم كان منطقه السلام والتسامح، فلم يرتضي بلغة القتل والسوء والكراهية، كي لا ينشر الظلم والعدوان والدماء بين الناس، واوضح القرآن الكريم هذه الصورة بقوله تعالى : " لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين اني ارُيد ان تبوء باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين"سورة المائدة الآية 28ـ30.

من هنا كانت البداية القاسية والمؤلمة مع قصة الخير والشر، والتي افرزت نمطين من التفكير وصورتين من الانسان، التفكير السقيم والتفكير السليم، الانسان الشرير والانسان الخير الحكيم الذي يفكر بمنطق التسامح والمحبة والعاطفة والسلام، بينما منطق الحرب والقتل والكراهية كانت صفات الانسان العدائي المتطرف الذي تلطخ بدم اخيه الحكيم .

ان معركة الفكر والفلسفة ضد الهمجية والتخلف معركة قديمة جداً قدم الوجود الانساني، وتحاول الفلسفة دائماً ان تقدم ادلتها وتشهر افكارها الانسانية والسليمة للانتصار على الباطل والجهل والافكار الظلامية وتحاول ان تصحح النزعة التدميرية والشريرة لدى الانسان المتطرف والجاهل الذي يجهل فضائل التفكير والفلسفة والبحث عن الحقيقة، وتحاول الفلسفة دائماً ان تحطم الاصنام، بشتى صورها واشكالها، وتزيل الادران التي تقبع على عقول وقلوب الكثيرين من البشر.

ليس هناك ادنى شك من ان للفلسفة دور كبير في بناء واحياء الشعوب والمجتمعات، فكرياً وثقافياً وتربوياً وانسانياً،فقيمة الفلسفة كبيرة جداً في حياة الانسان، ويكفي عظمتها انها نمط من انماط الوعي والتفكير مستقل بذاته وتختلف عن الانماط الفكرية الاخرى بخصائصها المعروفة من حيث النقد والتحليل والتركيب والمنطق والبرهان العقلي ومحاربة المسلمات، ومعروف في مجال الفكر الفلسفي ان الفلسفة تؤمن بالاختلاف والتنوع والتعددية في الفهم والوعي، وان هذه الحقيقة او الصفة هي التي انجحت الفلسفة ونمت مفاصلها، وحقق نجاحها وديمومتها التواصلية والمعرفية، ولا قيمة لفلسفة ما من دون وجود لهذه الحقيقة.

وتاريخ الفلسفة يؤكد لنا التعدد في الفلسفات، واختلاف الفلاسفة في طروحاتهم، وهي عرضة للاخذ والرد والنقد، ولكن من دون تكفير وطعن وتحقير، لانه عندما يشيع هذا النمط الاخير من الاساليب فكرياً تتحول الشعوب والمجتمعات الى بؤرة للتعصب والعنف والادلجة، ويشيع نمط معرفي وفكري وثقافي واحد لا يؤمن بتعددية الحقيقة بل بتفردها واستبدادها، وعندها يسود شعار الفكر الواحد والتفرد بالرأي (الفرقة الناجية) هو الشعار السائد في مجتمعات الاقصاء والتهميش.

والتفكير الفلسفي، يرفض التكفير الفلسفي والفكري والديني والثقافي رفضاً مطلقاَ، ويحد منه، عن طريق اشاعة حرية التفكير والنقد والتعمق بوعي حقائق الامور وماهياتها، وترسيخ قواعد الحوار واخلاقيات التعامل الانساني والعيش المشترك ، وتعدد الفهم والحقائق وتنوعه هدف اساسي تقصده الفلسفة وتدعو له، وهو سر كبير من اسرار بقائها ونجاحها في حياة الشعوب والامم الحيوية والحية.

الوعي الفلسفي وعي متجدد ومتسامح ورحب لا يؤمن بالحقيقة الواحدة المطلقة، بل بتعدد وتنوع الحقائق، وهذا التنوع والاختلاف سنة الهية كونية صبغ بها الناس والمجتمعات والمخلوقات اجمع، فليس هناك عقل مطلق وواحد، بل عقول وحقائق متعددة وسيلتها المنطق والعقل والحوار.

والفلسفة نمط من انماط التفكير ترفض النمطية، ونسق معرفي لا يؤمن بالنسقية الجامدة، وطريق حق لا يتزمت لحقيقة، وكل هذا وذاك تشكل معالم صورة الفلسفة لدى الكثيرين من المختصين وغيرهم.

ان صورة الفلسفة هذه وصفاتها العقلانية والانسانية جعلت كثير من البشر لا يطيقونها وينفرون من المشتغلين بها، لانها تقوم على النقد والكشف عن الحقائق ومحاربة الافكار الفاسدة والزائفة، وايقاظ الناس من سباتهم الدجماطيقي وتقويض افكارهم المطبوخة كما يقول وليم جيمس. ولان الفلسفة هي ايضاً ليست نوع من انواع الخطابة ولا من الجدل الكلامي وانما من عالم البرهان كما يسميها ابن رشد، ولذلك هذا الامر جعل الكثير من الناس يثيرون على الفلسفة والفلاسفة لانهم صوت الحق والحقيقة، وهم من يوقض الامة من كل غفلة وكسل معرفي او اخلاقي او سياسي او اجتماعي، ودائماً الفيلسوف يحمل راية الثورة والتغيير والتنوير والاصلاح في مجتمعه، ولذلك فكثير ما يتم مواجهته ورفضه واقصائه وتصفيته او نفيه، وتاريخ الفلسفة مليء بقصص الفلاسفة الذين اضطهدوا وعوقبوا على ايادي الحكام او الطبقات السياسية والدينية المتشددة، وهذا ما حدث مع فلاسفة ومفكرين احرار كثر بدءاُ من سقراط وابن رشد وجيوردانو برونو وغاليلو ومحمد باقر الصدر وعلي شريعتي وغيرهم من شهداء الفكر والثقافة الحرة والفلسفة.

لقد عمل الفكر الارهابي التكفيري المتطرف على الغاء دروس واقسام الفلسفة من المدارس والجامعات في الاراضي والبلدان التي سيطر عليها هؤلاء، لانهم يدركون ان عدوهم الحقيقي هو الفكر والثقافة والفلسفة والمعرفة، وانتشار ذلك يعني زيادة الوعي بين الناس بكثرة وينمي افكارهم وبالتالي يسقط سلطتهم المعرفية الهمجية ويعري زيف عقولهم السوداء وفكرهم النتن الذين يحركهم ويحدد مسارهم الاجرامي تجاه الانسان والعالم.

ولذلك علينا ان نتمسك بقوة في اشاعة الفكر الفلسفي والفكر التعددي والتعايش بين البشر، لانه الفكر الكفيل في خلاصنا من الافكار المتطرفة ومن النزعة التفردية وهيمنة خطاب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ان الفلسفة هي العلاج الوحيد القادر على نشر ثقافة الحب والتعايش والتسامح والسلام بين البشر ومغادرة الافكار العدوانية المتطرفة، انها تؤمن بالاختلاف والتنوع والحرية وكرامة الانسان باختلاف صوره والوانه، لان الوجود الانساني قيمة عليا تدافع الفلسفة عنه وتسعى للحفاظ عليه وفق منطق عقلاني انساني، رافضة كل الصور والافكار التي تريد مسخه وتلقي به في منزلقات وازمات ومتاهات لا مخرج له منها، كما هو حالنا اليوم في زمن الكراهية والتطرف والارهاب، الذي جعلنا شعوباً وقبائل متناحرين متخاصمين يقتل بعضنا بعضاً ويفجر بعضنا بعضاً دون رحمة او عدل او عطف يذكر، وهذا ما نرفضه تماماً من خلال السعي لاصلاح منظومتنا الفكرية والمعرفية والاجتماعية بسيادة العقل والمنطق وتنوير الروح والوجدان.

ثم كانت هناك بعض المداخلات وتم ختام الندوة الفكرية .


اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 1062 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم