Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


Image title


المركز الثقافي البغدادي


منطقة الكُتّاب
البريد الألكتروني

كلمة السر





حالة الطقس في مدينة بغداد
17˚C
صافي
2018-08-16
13 ˚C الصغرى
19 ˚C / 13˚C 2016-02-14
20 ˚C / 14˚C 2016-02-15
21 ˚C / 14˚C 2016-02-16
26 ˚C / 16˚C 2016-02-17
محمد شوقي الزين: الفلسفة موقف يتّخذه الشخص تجاه نفسه وتجاه العالم الذي ينتمي إليه حاوره : ياسين عاشور
2014-12-09 15:11:46

محمد شوقي الزين: الفلسفة موقف يتّخذه الشخص تجاه نفسه وتجاه العالم الذي ينتمي إليه

حاوره : ياسين عاشور

بدايةً نشكر لك قبولك محاورتنا. لو يعرّفنا الدكتور محمد شوقي الزّين بنفسه.هل هو باحثٌ؟ فيلسوفٌ؟ صاحب مشروع فكريّ؟ قارئٌ للتراثين العربي والغربي؟ كيف تحدّد نفسك بين مختلف هذه التصنيفات؟

الشكر لكم على الدعوة والاهتمام. من الصعب أن يتحدّث المرء عن نفسه حتى لا يعطي الانطباع بأنّه يرمي الزهور على ذاته ويطري نفسه ويمدح ما هو عليه. أترك الحُكم لقارئ أعمالي ليضعني في الجهة التي يعتبرها وجيهة: باحث أو فيلسوف أو صاحب مشروع. أحبّذ بالأحرى السؤال الأخير لأنّه أقرب إلى الموضوعية، وخصوصاً أنّه يتعلّق بنشاط وصناعة وهو “القراءة” وليس بإشهار الألقاب والمفاخر والعناوين. نعم، أضع نفسي في هذه الصيغة وهي أنني “قارئ” للتراثين العربي والغربي، لما تحمله مقولة القراءة من قيم الاشتغال على النصوص والتواريخ والمصطلحات، ولما فيها من كدّ وجهد وعناء على سبيل المقاربة والمقارنة. وأحاول قراءة ذلك كعارف بالشأن الفكري وليس كهاوٍ، لأنّني تخصّصتُ خلال ما يقارب العشرين سنة الماضية في الفكرين العربي والغربي معاً، وتُوّجت بدكتورتين، الواحدة في الدراسات العربية الإسلامية حول محي الدين بن عربي؛ والثانية في الفلسفة والدراسات الغربية حول المؤرخ والمفكر الفرنسي ميشال دو سارتو. فكان لا بدّ من إعداد العُدّة، جمع المعلومات، التدرّب على المناهج، الانخراط في القضايا، الاشتغال على النصوص، لكي أصل إلى هذا التخصص المزدوج أقف فيه كالجسر الرابط بين عالمين أو ثقافتين في انتظار المزيد من “الجسارة” للذهاب بالقراءة إلى أقصى حدودها وتبيان مَواطن مختلفة من هاتين الثقافتين (العربية والغربية) القريبتان جغرافياً وتاريخياً، ولكن تنكر إحداهما الأخرى بشكل لاشعوري، في طيات الخطاب وفضائح الممارسة. إنه الرهان الكبير الذي يقتضي الكثير من العزم والإقدام للبحث في شروط هذا القُرب/البُعد بين ثقافتين. لا أزعم أنني ضامن الحوار بين الثقافتين، لكن بالبحث في الأعماق الذهنية والفكرية يمكنني تبيان، على الأقل، بعض الأوجه والتوجّهات المفيدة في إرساء مثل هذا الحوار، وحتى لا يكون هذا الحوار مجرّد مواعظ أو أمنيات أو مراوغات. لا بدّ أن يكون حواراً فلسفياً قائماً على قراءة نقدية، جمالية، أنطولوجية في الشرط الإنساني لكل ثقافة. إنه الرهان ومربط التعويل.

 من هو الفيلسوف في عصرنا الرّاهن؟ وكيف نستطيع تعريفه خاصّة بعد أفول الفلاسفة من ذوي الأنساق الكبرى وتشظّي القول الفلسفي؟ ما الفلسفة الآن وراهنًا؟

بعد طول تأمّل واشتغال على جوانب من الفكر الفلسفي توصّلتُ إلى أنّ الفلسفة هي مسألة التزام وشخصية. ليست الفلسفة فقط مذاهب وأفكار، خطابات وأنساق، وإنما هي موقف يتّخذه الشخص تجاه نفسه وتجاه العالم الذي ينتمي إليه. أي أنها مسألة قيمة وثقافة ورؤية حصيفة. تحدّث أرسطو مثلاً عن “الحصافة” أو “فرونسيس” (phronèsis) وأظن أنّ الفلسفة هي مسألة حصافة؛ هي قضية “رَويّة” وليس فقط مسألة “رؤية”. إنّ المذاهب والأفكار والمقولات والنظريات تشكّل كلها “هيكل” الفلسفة لا “الهيئة” التي تكون عليها؛ وأقصد بالهيكل نظام الأفكار المتجسّد في برامج أو معاجم وله قواعد وتدريبات ويتوزّع في مدارس أو أكاديميات؛ وأقصد بالهيئة نظام اشتغال الأفكار وموقف الفيلسوف من القضايا التي يتعامل معها. غالباً ما نطرح السؤال العويص والمربك كما هو مطروح عليّ الآن: ما الفلسفة؟ ليس الغرض إيراد كل التعريفات الواردة بهذا الشأن لأنها تعريفات لها تاريخ ودافع ومحفّز، وكل فيلسوف قدّم تعريفاً للفلسفة ينطلق من قناعته إذا كان نزوعه مثالياً أو واقعياً أو مادياً أو روحياً، إلخ. فالتعريف هو الذي يتلوّن بتلوينات السياق، ونعرف أنّ أي مصطلح لا يوجد بمحض الصُدفة، بل هناك إرهاصات وإشكاليات وملابسات تمنحه هذا التعريف أو ذاك، ويتعرّض التعريف بدوره إلى التطوّر، فيتّخذ هذا المسلك أو ذاك، وقد يدلّ لاحقاً على النقيض مما كان يدلّ عليه في لحظة ميلاده. لهذا السبب كل تعريف لا يفي بالغرض. وأعتبر أنّه كلما كانت المقولة ملتبسة وغير قابلة للتعريف، كانت غنية وثرية وتحفّز على البحث والضبط. لو تواطأ الجميع على تعريف واحد، فإنّ البحث يتوقّف. لهذا السبب لا يمكن الاعتداد بتحديد واحد للفلسفة، ولكن بعدّة تحديدات يمكن الأخذ بها تبعاً لضرورة الحال والسياق. الأمر المتفّق عليه عالمياً هو أنّ الكلمة الإغريقية استطاعت أن تحتفظ برونقها الفونولوجي في كل اللغات، حتى في العربية: “الفلسفة”. فالروح الإغريقية لا تزال تقطن في جسد الكلمة المعرَّبة وفي الكلمات الأخرى من اللغات العالمية. لا أحد أفلح مثلاً في تعريبها إلى “الحكمة” كما كان يستعمل القدماء أو إلى كلمة أخرى. فهي مقولة فرضت نفسها بقوّتها التاريخية والنظرية والإيحائية. ألجأ في كثير من الأحيان إلى التحديد الذي أورده جيل دولوز وهو أنّ «الفلسفة هي فنّ تكوين وإبداع وصنع المفاهيم» كما جاء في كتابه «ماهي الفلسفة؟» (1991). إذا آثرتُ هذا التعريف فلأنّه يُحدّد بالفعل طبيعة الفلسفة التي هي إبداعية، صنائعية، تكوينية، تشكيلية، إنشائية، إلخ. أقول ذلك بالمقارنة مع مصطلح شاع عند العرب واختفى وهو مصطلح “الصناعة”: صناعة الشعر، صناعة المنطق، صناعة الفلسفة، صناعة الطب، إلخ. أحاول إعادة إحياء هذا المصطلح العربي على أكثر من صعيد: 1- التفكير الفلسفي هو صناعة فعلية بالاشتغال على المقولات ونحت المفاهيم وتأويل النصوص، وليس مجرّد تفكير نظري في المثاليات والطوباويات. فهو حقيقة عملية وواقعة أدائية؛ 2- اللجوء إلى فكرة الصناعة من شأنها أن تربط الفكر بالواقع لتكون له به علاقة إدغام واشتراك في صياغته وإعادة تأويله والاشتغال عليه والتمفصل به. فالفيلسوف ليس كائناً منعزلاً عن التربة التي وُلد فيها والتربية التي نشأ في أحضانها والمجتمع الذي يتحرّك فيه، وبالتالي ما يقوله ويكتبه له علاقة، من قريب أو من بعيد، بهموم هذا الواقع، وفكرة الصناعة تهبه المادّة النظرية والنقدية لإعادة صياغتها وقولبتها؛ 3- اللجوء إلى فكرة الصناعة من شأنها أن تُنزل “النخبوية” من علياء التعالي وتعتبر الأفعال كفاءات واجتهادات وليس قداسة وإلهاماً. بهذا المعنى أتحدث عن صناعة الفقه وصناعة التفسير وصناعة الأحكام وصناعة القانون وصناعة السياسة وصناعة الإعلام وصناعة المعلومة وغيرها من الصناعات التي هي اجتهادات بشرية ومفعولات أدائية ولا يمكن تقديسها أو اعتبار أصحابها خارقي العادة. إذا كان مبتغاي هو إعادة إحياء هذا المصطلح العربي الأصيل، فلأنّ حياتنا الراهنة تشوبها النخبوية السياسية والدينية والثقافية المجحفة، تلك النخبوية التي تعتدّ بالألقاب والعناوين الفخرية وتحجُب الصناعة الفعلية في ميادينها المختصّة. فما معنى المسؤول السياسي إذا لم يكن صانعاً للشأن السياسي والاجتماعي في إطاره ونطاقه؟ ما معنى المفتي أو الفقيه إذا لم يكن صانعاً للأحكام والفتاوى، أي عاملاً في حقل معيّن يحاول بالاحتيال والمراوغة إصباغ القداسة عليه؟ ما معنى المثقف إذا لم يكن صانعاً للأفكار وقارئاً للواقع الذي ينتمي إليه؟ من شأن الصناعة أن تفكّك مزاعم الطوباوية والنخبوية وتجعل الإنسان كائناً “صانعاً” أياً كان الحقل الذي يشتغل فيه، وما الألقاب والعناوين التي يتحصل عليها سوى نتيجة هذه الصناعة وليس مبدؤها، وتعكس الكفاءة أو عدم الكفاءة في الأداء وليس القداسة في الذات أو الشخص. إذا جاز إعادة تحديد الفلسفة بالمعنى الذي أحبذه، فهي صناعة؛ وأتحدث إذن عن “صناعة الفلسفة”، لأضعها في السياق الفعلي كممارسة خطابية ونقدية.

 استضافت الثقافة العربية المعاصرة من خلالك فيلسوفًا فرنسيًا يكاد يكون مجهولًا عندنا. كيف تؤرّخ لعلاقتك مع إنتاج “ميشال دو سارتو” وما هي الثمرات المنهجيّة والمعرفيّة التي يمكن أن تنضاف عبر قراءته إلى الفكر العربي المعاصر؟

إنّ الكتاب الذي صدر مؤخراً «ميشال دو سارتو: منطق الممارسات وذكاء الاستعمالات» (بيروت، 2012) هو في غاية الأهمية والأصالة، أوّل كتاب عربي عن مفكّر أهملته الدراسات المعاصرة. لم يتمّ الاهتمام به فعلياً، وأقصد بالكتابات والمؤتمرات والملتقيات الدولية، سوى ابتداءً من 2002 عندما صادفت هذه السنة إعادة طبع أعماله من طرف دار غاليمار في باريس، وصدور بيوغرافيا ضخمة (655 صفحة) من إعداد صديقي المؤرخ فرانسوا دوس، صاحب بيوغرافيا أخرى عن بول ريكور، بيير نورا، جيل دولوز وفليكس غاتاري، إلخ. كانت هنالك بعض الاهتمامات خصوصاً في العالم الأنجلو-سكسوني (الولايات المتحدة، أستراليا) واهتمام خاص من طرف صديقته ومنفّذة وصاياه لوس جيار التي أشرفت على ملتقيات في فرنسا ابتداءً من سنة 1987. لكن الانطلاقة الفعلية كانت بعد 2002 بملتقيات دولية في ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وفرنسا والمكسيك. كان اكتشافي لميشال دو سارتو بمحض الصُدفة وهو قراءتي لمقال له حول ميشال فوكو بعدما استغلق عليّ فهم ما كتبه فوكو في «الكلمات والأشياء» (1966). فوجدتُ أسلوب دو سارتو في غاية الأناقة والسلاسة والمجازية. وعندما التحقتُ بالجامعة الفرنسية لتحضير الدكتوراه حول ابن عربي، تفاجأت من كون دو سارتو كان متخصصاً في التصوّف المسيحي، فزادني ذلك غبطة، وساعدني كتابه العُمدة «الحكاية العرفانية» (1982) في الإلمام بالظاهرة الصوفية لأنه قاربها من وجهة نظر التاريخ والتحليل النفسي والسيميولوجيا والتداولية وغيرها من المناهج المتاحة في عصره. عندما ناقشتُ الدكتوراه حول ابن عربي، جاءني حافز لأن أحضّر دكتوراه في الفلسفة حول ميشال دو سارتو واشتغلتُ على كتاباته في نطاق ما يسمّى بالفلسفة العملية. وبالموازاة مع هذا التحضير قمتُ بترجمة كتابين له «ابتكار الحياة اليومية» و«الثقافة بالجمع» وكتاب آخر «كتابة التاريخ» قيد الترجمة. بعد المناقشة انخرطتُ في التعريف به بتدوين مقالات أو المشاركة في ملتقيات كما فعلتُ في ملتقى الرشيدية بالمغرب أو ملتقى وهران في الجزائر. تكمن قوّة دو سارتو في تحكّمه في أدوات العلوم الإنسانية وقراءة الظاهرة الدينية والعرفانية بأحدث الوسائل المنهجية؛ فلقد كان رجل دين في الكنيسة قبل أن يصبح مؤرّخاً يشتغل على تاريخ المذهب اليسوعي (الذي كان ينتمي إليه) منذ ميلاده مع القديس إنياسيو دو لويولا وحتى اليوم. هذه التجربة التاريخية في الاشتغال على الوثائق والمخطوطات والنصوص أتاحت له مقاربة الحياة اليومية كوثائقي يقرأ بدقّة وتفاصيل خبايا الفعل البشري؛ واحتكاكه بالعالم الأمريكي حيث كان أستاذاً في جامعة كاليفورنيا، مكّنه من مقاربة الممارسات البشرية من وجهة نظر تداولية وسوسيو-ألسنية في أزمنة كانت فرنسا وأوروبا مشدودة فيها إلى البنيوية في أفولها التدريجي أو إلى الدراسات السيكولوجية. استعمال المنهج التداولي فتح له آفاقاً واسعة في دراسة المجتمع المعاصر في هيكله كما في هيئته: الاستهلاك، المدينة، الإشهار، التواصل، المعلومة، إلخ. فكيف تمكّن هذا المفكّر من عبور كل هذه الأقاليم المعرفية من رجل دين إلى مؤرّخ إلى سوسيولوجي وأنثروبولوجي وفيلسوف اهتم في الفترة الأخيرة من حياته بنصوص نيكولا الكوسيوميرولوبونتي حول “سرّ الرؤية”؟ نعته البعض بالتائه وبالسائر الحائر والمتبعثر بين المعارف والتخصّصات، لكن أفلحتُ في رسالتي الجامعية من تبيان الانسجام الداخلي لمذهبه الفكري فيما وراء التبعثر الظاهر في المباحث والاهتمامات. هناك خيط رفيع، أو “نسق” بالمعنى الرواقي للكلمة، يجعل كل المباحث التي اشتغل عليها تتعاضد بمعيّة أدوات ومفاهيم مشتركة، فيرتبط الداني من كتاباته بالقاصي وينعطف الديني على العلماني والتاريخي على الاجتماعي واللغوي على السيكولوجي في إدغام وتمفصل مدهش ومثير كانت له المهارة والموهبة في حياكته وفي حكايته. تبدو لي أفكار دو سارتو ذات أهمية كبرى في مقاربة الواقع المعاصر، بما في ذلك الواقع العربي المعاصر. مثلاً في كتابه «الأخذ بزمام الكلام» قدّم قراءة بارعة حول ثورة ماي 1968 في فرنسا، وقراءته للثورة يمكنها أن تفيد علماء الاجتماع والنفس والتربية في قراءة الثورات العربية في ضوء تحليلاته. كذلك مقاربته التاريخية والسوسيولوجية للثقافة والمدينة والحياة اليومية عموماً يمكنها أن تكون مفاتيح ثمينة في فتح خزائن فكرنا وتاريخنا. لماذا ميشال دو سارتو؟ تكمن أصالته في أنّه قام بربط اللغة بالواقع بناءً على التصوّر التداولي الذي كان يحمله ويقرأ به الحياة المعاصرة، وهو أمر نحتاج إليه بإلحاح، أي غياب شبه كلي للتصوّر التداولي في حياتنا العربية. ما أقصده بالتصوّر التداولي؟ أقصد به ربط اللغة بالفعل بحيث تكون اللغة هي فعل من الأفعال البشرية في الأداء اليومي بمعية وظائف وميكانيزمات تأخذ في الحسبان الظرف والسياق والذات. اللغة في نطاقنا منفصلة عن الواقع، تصفه ولا تندمج فيه، تعكسه ولا تستوعبه؛ وبالتالي نجد أنفسنا، من وجهة نظر نخبوية (ثقافية أو سياسية)، في بون شاسع مع حركة المجتمع وارتقاء الذهنيات التي تبقى مستترة بالمقارنة مع حجم القواعد أو وطأة الإكراهات. لكن هذه الحركة موجودة تعبّر عنها “اللغة الشائعة” في القول اليومي وتنخرط فيها، لكن تبقى هامشية أو مهمَّشة، ما دامت “اللغة النخبوية” (الخطاب السياسي أو التحليل الثقافي) تتكلّم باسمها وتحصرها في قوالب مجرّدة ومقولات متعالية.


تشهد اهتماماتك منحى مزدوجًا حيث تستفيد من المناهج الفلسفيّة المعاصرة مثلًا في قراءة علم من أعلام التصوّف -ابن عربي- وقد قال البروفيسور محمد محجوب أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسيّة أنّك صاحب أطروحة عظيمة عن ابن عربي. ما هي آفاق قراءة ابن عربي بالنسبة إلى الثقافة العربيّة خصوصًا والثقافة الإنسانيّة عمومًا؟

الشكر موصول إلى البروفيسور محمد محجوب، إنها شهادة صداقة أعتز بها من لدن مفكّر جادّ وفيلسوف مجتهد. عندما كنتُ طالباًفي الفلسفة في جامعة وهران سنة 1992، سمعتُ بوجود ملتقى دولي حول ابن عربي في وهران، وكان من بين الحاضرين محمد أركون. لكن، لم يتسنّ لي حضور الملتقى، وخصوصاً أنه كانت لديّ الرغبة للتعرّف على أركون عن كثب والاستماع إليه. وأعتقد أنني وقتها أخطأتُ في الأيام التي عُقد فيها الملتقى وفاتني القطار! بقيت هذه الحسرة في أعماقي، لأن الفرصة فاتتني يومها لأعرف ما كُتبَ عن ابن عربي من جهة، ولأسمع إلى محاضرة أركون من جهة أخرى. وبقيت الرغبة في التعرّف إلى ابن عربي إلى أن جاءت الفرصة عندما تحصّلتُ على منحة لمتابعة الدراسة في إحدى الجامعات الفرنسية. جاءت الفرصة لأباشر هذا اللقاء الطويل والمضني بصُحبة كتاباته لتحقيق دبلوم في الدراسات المعمّقة، ثم الدكتوراه.اكتشفتُ ابن عربي بشكل معمّق، كتبتُ عنه، وحاضرتُ بشأنه، ولا أزال أكتشف دائماً خبايا من فكره بالغوص في نصوصه التي تبدو للوهلة الأولى مبهمة ومبعثرة. لكن التأني في القراءة يُبرز أنّ مذهب ابن عربي منسجم الأطراف ومتماسك المقولات والأفكار، ولا يمكن الوقوف على ذلك سوى من هو متعوّد على مفاتيح فلسفته وله معه مؤانسة ومصاحبة مستمرة. يبدو لي أننا لم نقرأ ابن عربي بالطريقة المرجوّة نظراً لعدة حُجُب تعيق هذه القراءة، وأخصّ بالذكر عقلية التصنيف: باطني، غنوصي، لاعقلاني، روحاني...فالعنوان يحجب الفلسفة. أي عندما نقوم بوضع مفكّر في خانة معيّنة، فإننا نحجبه ولا نُحسن قراءته. انتماؤه المذهبي هو مجرّد موقع في خريطة الفكر ولا يقول بعُمق حقيقة التفكير الذي يدبّر نصوصه وخطاباته. ينبغي قراءة نصوصه والوقوف على تناقضات فكره لندرك حقيقته، ولا آخذ التناقض بالمعنى السلبي، ولكن بالمعنى الإيجابي حيث تسود القيم الجدلية والدينامية في حوار الأفكار المتباينة والمقولات الصادرة من تيّارات وتوجّهات متنوّعة. لهذا السبب قراءة ابن عربي بالتصنيفات المبتذلة هي أوّل زلّة وانزلاق القدم على أبواب كتاباته. ينبغي قراءته بلا أحكام مسبقة والالتفات فقط إلى حركة الكلمات والأفكار بالمعنى الفينومينولوجي لندرك بأنّ كل كلمة، كل مفهوم، كل مقولة لها في نصوصه تشعّبات وتحتمل وجوه ودلالات وتنعطف على سياقات وبيانات. والسؤال المطروح: إذا كان الغرض هو قراءة ابن عربي بلا أحكام مسبقة، هل تطبيق بعض المناهج (سيميائية، تأويلية، تفكيكية..) هو حجب لفكره؟ لا أظن، لأنني أنطلق دائماً من وحدة الإدراك البشري لأستبعد من يقول بالخصوصية أو بعلوم الذات وعلوم الآخر. لا أجد فرقاً بين مواضيع البحث. هناك بلا شك فروقات واختلافات، ولكنها أنثروبولوجيةوسوسيولوجية أكثر منها أنطولوجية وفلسفية. كمشتغل في الحقل الفلسفي، تهمني وحدة الشعور البشري وإمكانية قراءة أي تراث بأي أداة سليلة تراث آخر أو ثقافة أخرى. لكن ما المانع من أن نستنبط من تاريخنا الثقافي أدوات أو مفاهيم أو مقولات نقرأ بها سياقنا الثقافي وتتيح لنا أيضاً قراءة الثقافات الأخرى؟ أعزو الأمر إلى هشاشة اللغة العربية التي لم تعُد لغة المفهوم والابتكار الفلسفي مثلما كانت عليه قبل القرن الثالث عشر، أي قبل عصر التقليد والاجترار تبعاً للتقسيم التاريخي الذي أقامه محمد أركون. يحاول البعض نقد الغرب وليس فقط تكرار مقولاته أو الاقتباس من أفكاره. وسؤالي: كيف وبأية عُدّة؟ هل بردّ الفعل الذي لا يوازي الفعل في فرادته وقوّته؟ هل بالانفعال الذي لا يرتقي إلى حصافة الفعل؟ أقول لا نزال في طور الاقتباس ما لم نجدّد اللغة ونُكسبها حلّة نظرية ومفهومية تضاهي اللغة الغربية في عطائها الفلسفي. إذا اهتممتُ بابن عربي، فلأنني وجدتُ عنده نظريات أصيلة تضاهي ما كتبه نيكولا الكوسي في فجر النهضة أو سبينوزا في العصر الحديث أو أيضاً لفيناسودريدا في الأزمنة المعاصرة. فقط بقراءة متأنية، صبورة، ابتكارية، مفهومية، حيادية، يمكننا اكتشاف ما عند ابن عربي من نظريات أصيلة؛ وأشرتُ على وجه الخصوص إلى العلاقة الدفينة الكائنة بين الوجود والعطاء الأصلي، وهو القائل «عن الجود صدر الوجود»، ويمكن لهذه العبارة أن تكون فلسفة قائمة بذاتها إذا أحسنا إعادة تأويلها في ضوء شرطنا الوجودي الراهن. ينعطف في هذه العبارة الأنطولوجي على الجمالي والأخلاقي، وهي قيم متشابكة يمكنها أن تفيدنا وتفيد الفكر العالمي الذي لم يكتشف بعدُ شخص ابن عربي، لأنّ هذا الأخير لا يزال سجين التصنيفات التي تحدثتُ عنها من قبل: صوفي، عرفاني، روحاني، باطني...

 يعيب الكثير من المشتغلين بالفلسفة على المناهج التفكيكيّة والتأويليّة وعلى فلسفات ما بعد الحداثة عمومًا عدميّتها النظريّة بل ويعتبرونها سفسطائيّةً محدثةً حيث غدت الفلسفة ألاعيب لسانيّة وخطابات شعريّة وصوفيّة. فالباحث التونسي محمد المزوغي- على سبيل المثال - يقول : «البعض من مثقفينا العرب حتى وإن تفلسفوا فإنهم يعمدون إلى ربط تفكيرهم بأطروحات عدمية، منحدرة، مباشرة، من تعاليم نيتشه وهايدغر وأتباعهما الفرنسيّين (يقصد دريدا وفوكو ودولوز)، وهو أمر لا يخدم الفلسفة العربية بل قد يعيق تقدّمها من الأساس». وقد استشهد بكتابات علي حرب. كيف تفسّر هذه الدعوى؟

تعلّمتُ أن لا أناقش الخيارات، لأنها سليلة إرادة وحرية. إذا أراد الواحد منا أن يتخصّص طول حياته في دولوز أو هايدغر، فلم لا؟ لماذا جرّه بالقوّة إلى حظيرة الهوس الهوياتي؟ قضى المستشرق الألماني جوزيف فان إيس حياته (40 سنة) في الكتابة عن الفكر الإسلامي وخصوصاً المعتزلة وأخرج موسوعة في التاريخ الفكري الإسلامي في عدّة مجلّدات. هل لامه أحد من بني قومه أنه لم يهتم “بالهوية الألمانية”؟ علينا أن نتجاوز هذه الاعتبارات الإيديولوجية والوهم بأنّ الاهتمام فقط بالفكر العربي الإسلامي كفيل بنهضتنا. لا تقوم للذات قائمة بمحض علاقتها بذاتها، ولكن دائماً بالعلاقة بالآخر، بالاشتغال أيضاً على تراثه وعلى صناعته النظرية والفكرية، بالإلمام بتاريخه وثقافته. العلاقة بالذات هي قبل كل شيء العلاقة بالآخر، علاقة مرآوية، يرى كل طرف ذاته في مرآة غيره، ليس على سبيل العلاقة النرجسية في الإطراء على المحاسن، ولكن أيضاً لرؤية ما نَقُص في الذات، مساوئها، تشوّهاتها، ملامحها المبهمة، إلخ. ثم لا أحد يمكنه أن يدّعي تأسيس فلسفة عربية بدون الإرث الفلسفي الذي ورثناه عن الغرب وارتحل إلينا عبر المقولات والمصطلحات والمناهج. علينا مجاوزة “الجحود” ونكران الجميل ووهم صناعة فلسفة عربية بدون معونة خارجية، أي بدون الإلمام بفلسفات الآخر، في الغرب أو أمريكا اللاتينية أو آسيا وغيرها من الجغرافيات الفكرية. أما بشأن الفلسفات المذكورة (التفكيكية، التأويلية، ما بعد الحداثة، إلخ)، فيبدو أنّ الإلمام بها ضئيل أيضاً ونحكم عليها (أو بالأحرى “نحاكمها” بالمعنى القانوني والقضائي) من زاويتنا الضيّقة والضحلة. يقول المثل المعروف: «إذا أردت أن تتخلّص من كلبك، فقُل إنه مصاب بداء الكلَب»؛ عندما لم نستطع فهم هذه المناهج والأساليب الفلسفية رُحنا نتّهمها بالعدمية والفوضوية والسفسطة والمناورة، لأننا نحكم عليها بالأسلوب المنطقي-البرهاني، بينما هي لها زاوية في النظر تعتمد على الجانب البلاغي-الجمالي. يكفي أن “نعدّل” (بتشديد الدال) من زاوية رؤيتنا لكي “نعدِل” (بكسر الدال) في قراءتها ولا نظلمها.ظهور هذه الفلسفات كان نتيجة تطوّر في الآليات وارتقاء في العقليات، بعد الأزمنة المحمومة التي شهدها القرن العشرون (الحربين العالميتين، الحرب الباردة..). لم تظهر هذه الفلسفات كأفكار “مضادّة للعقل” كما يتوهّم البعض، ولكن كان لها ما يمكنني تسميته “العقل المضادّ”، حيث قامت بمسح نظري هائل وصارم على ما أصاب الوعي الغربي من بؤس وانحدار منذ التنبيه الذي أشار إليه إدموند هسيرل في «أزمة العلوم الأوروبية» ووطّدته حنه أرندت في مجال الفكر السياسي. فكان لا بدّ من ظهور فلسفات لا تعادي العقل ولكن تؤكّد على حدوده وأحياناً شططه و“لاعقلانيته”. وقبل التفكيكية وفلسفات ما بعد الحداثة، كانت مدرسة فرانكفورت مع الجيل السابق قد نبّهت إلى المصيبة (أو الكارثة) التي وصل إليها العقل بابتعاده عن الثقافة والرومانسية وتحالفه مع السياسة والتقنية، فكانت النتيجة أن ولّد أعتى الأنظمة السياسية وأحلك الأزمنة التي استفحلت فيها الحروب والنزاعات. هل نلوم العقل أم الاستعمال المخزي للعقل؟ أقول بأنّ إعادة تعريف العقل وربطه بالنفحات الشاعرية والبلاغية بدلاً من الحسابات المعقّدة والتخمينات البرهانية والاندفاعات التقنية من شأنه أن يخفّف من صلابة وعنجهية هذا العقل. فينبغي النظر إلى التفكيكية وما بعد الحداثة كنتائج هذا التطوّر التاريخي الحديث وليس كموضة لترف لغوي وفكري كما يحلو للبعض نعتها. ينبغي وضعها في السياق الخطير للتاريخ المعاصر والتساؤل حول شروط إمكانها ووجودها بدلاً من إعلان الحرب عليها. فهي طريقة مختلفة، مغايرة، في مقاربة الوجود البشري، بأدوات لغوية وأسلوبية هي الأخرى مختلفة، لها منطقها الداخلي ونظام اشتغالها. يتوجّب الوقوف عنده بحصافة واهتمام وليس إرسال سهام الاتهام.

 من خلال الاطّلاع على المدوّنة الفكريّة العربية المعاصرة، نلحظ اهتمامًا بالغًا بإشكاليّة قيام فلسفة عربيّة معاصرة مستقلّة ومتميّزة عن الفلسفات الغربيّة. أنظر مثلا «آفاق فلسفة عربيّة معاصرة – أبو يعرب المرزوقي و الطيب تيزيني»و«طريق الاستقلال الفلسفي – ناصيف نصّار» و«الخطاب العربي المعاصر – محمد عابد الجابري» و«فقه الفلسفة – طه عبد الرحمن» وغيرها من المشاريع التي يشغلها هاجس الاستقلال الفلسفي والتميّز . كيف تقرأ هذا الهاجس الملحّ؟

إنه هاجس مقبول ومشروع إذا كان الغرض منه تقديم رؤية فكرية للعالم الذي نحيا فيه، لكن إذا كان مجرّد هوس في الهوية، فلن يذهب بعيداً في الإبداع. يقتضي الإبداع نوعاً من “تعليق الحكم” كما كان يقول القدماء وعلى رأسهم سكستوسأمبريقوس والذي أخذ عنه هسيرل فكرة “الإيبوكي” في الفينومينولوجيا، أي يقتضي الأمر وضع انتماءنا للهوية ونسبتنا للتراث بين قوسين. لا يتعلّق الأمر بالتنكر للهوية، ولكن عدم الصراخ بها من فوق السطوح و المنابر. ينبغي الاشتغال عليها بالمسافة النقدية والضرورية لكل معرفة علمية. لستُ ضدّ الاستقلال الفلسفي إذا كان المراد منه ابتكار رؤية ومنهج وأسلوب، إذا كان المراد به الطلوع بفكرة جديدة وحقل أصيل. أما إذا كان الاستقلال الفلسفي هو مجرّد ردّ فعل لا يساوي الفعل، مجرّد التوكيد على البداهات والاستسلام لليقينيات التي تؤسّس كلها الإرث التاريخي والرمزي الذي ننتمي إليه والذي نتداوله، فلا يعدو أن يكون الأمر سوى “شطحة انفعالية” عابرة، لا أساس لها ولا ترسيخ. أن ندّعي قيام فلسفة عربية معاصرة هو أن نزعم تشكيل شبكة من المفاهيم والتصوّرات قادرة على أن تقرأ بعُمق التاريخ العربي الإسلامي والمآل الذي وصل إليه اليوم. حاول البعض ابتكار مفاهيم في هذا الصدد وأخص بالذكر محمد عابد الجابري ومحمد أركون وطه عبد الرحمن وعلي حرب وغيرهم. كان هنالك ابتكار في المقولات ونحت في المفاهيم، كل واحد من زاوية رؤيته وحقل اشتغاله (الجابري والعقل العربي، أركون والعقل الإسلامي، عبد الرحمن وفقه الفلسفة، علي حرب والمنطق التحويلي والتداولي...)، وينبغي الذهاب إلى أبعد من ذلك، وأقصد ليس فقط التعبير عن الفكر بواسطة اللغة ولكن الاشتغال على اللغة ذاتها بصرامة وجسارة وإعادة تثويرها وإحياء مقولاتها والغوص في ذخائرها والبحث في خزائنها، لأنّ تغيير العالم، تغيير الراهن الذي نحياه، لا يكون سوى باللغة التي تؤثّر في هذا العالم، في هذا الراهن. لكن المعضلة اللغوية في الثقافة العربية الإسلامية أنها لغة مزدوجة: لغة أكاديمية لها قواعد في الإنتاج وقوانين في التنظيم والتوزيع، فهي لغة “استراتيجية”، مُحكمة ونخبوية؛ ولغة عامّية لها نظامها في التداول وأعرافها، فهي لغة “تكتيكية”، عفوية وشفهية، إذا جاز لي استعمال الثنائية استراتيجية/تكتيكية عند ميشال دو سارتو. فكيف يمكن عطف الإنتاج الفلسفي بلغة أكاديمية ونظرية على الواقع المتسارع له لغته ورموزه وبنوده؟ أذهب إلى القول بأنّ اللغة العاميّة ينبغي إدراجها في كل مشروع فلسفي لأننا لم نحقّق الوحدة اللغوية كالتي حقّقها الغرب، مثلاً منذ الثورة الفرنسية عندما أقدم الأب غريغوار على محاربة اللهجات وفرض اللغة الفرنسية كلغة وطنية ذات سيادة، فتوحّدت اللغة بفعل قرار سياسي جنّد لها الآليات والوسائل لفرضها وتعميمها. لكن الأمر يختلف في الوطن العربي الذي يتميّز بالتشظّي الألسني بين أمازيغية وعربية في المغرب الكبير ومصرية في الشرق الأوسط، ثم في العالم الإسلامي التركية والفارسية والأردية والإندونيسية، إلخ. وحدة اللغة العربية في الدوائر النخبوية وصناعة القرار (الإدارة، الجامعة، السياسة، الإعلام..) لا تعكس تنوّع الألسنة في المجتمع من نطاق جغرافي إلى آخر. عندما أقول إدراج العامّية في كل مشروع فلسفي، فإنني أقصد بذلك إمكانية دراسة المقولات الكاسحة والمؤسّسة للتصوّر الجمعي ليس فقط كمباحث سوسيولوجية وأنثروبولوجية وهو أمر موجود في مخابر البحث، ولكن كوقائع أنطولوجية تعبّر عن جوهر التفكير الجمعي تجاه الذات والعالم والحياة والموت والقلق. كنتُ في مقال أعدتُ نشره في كتابي «الذات والآخر» (2012) قد أخذت كلمتين لهما وطأة كبيرة في الضمير الجمعي الجزائري وهما “الحُقرة” (الاحتقار والظلم الاجتماعي من بطالة وفقر وتهميش) و“الحَرقة” (الهجرة غير الشرعية)، ورأيتُ بأنّ المقولتين متلازمتان على سبيل القلب اللغوي (حقرة/حرقة) والهوس الوجودي، لأنّ الحُقرة هي بالفعل مطيّة نحو هجر الأوطان والاغتراب المزدوج: اغتراب الذات في ديارها (ألا يوجد أيضاً علاقة بين “الحرقة” بمعنى الفرار من الوطن و“الحرق” بالانتحار كما وقع مع مفجّر الثورة التونسية المرحوم محمد البوعزيزي؟) واغتراب الذات في ديار غيرها. الاشتغال الفلسفي (وليس فقط السوسيولوجي أو السيكولوجي) على هذه المباحث من شأنه أن يقدّم مفاتيح في قراءة الواقع ويضع الجسور الممكنة بين لغة النخبة في الأدوار الأكاديمية والجامعية والسياسية ولغة الجمهور التي لها معجمها وابتكارها الضمني تبعاً لقوّة الحدث ووطأة الحال. الاستقلال الفلسفي يمرّ أيضاً عبر الاستدلال اللغوي على واقع معقّد، مبهم، متفجّر، باروكي؛ يسعى لفهمه وعقلنته ومصاحبته، وليس الحديث باسمه وممارسة السلطة عليه.


 كيف تقيّم مشاريع الرّابطة العربيّة الأكاديميّة للفلسفة؟ خاصّة وأنّنا نشهد بزوغ مدرسة نقديّة عربيّة جديدة في الفلسفة ونلمح أسماءً ذات شأن مثل الدكتور إسماعيل مهنانة والدكتور علي عبود المحمداوي وغيرهم.

تحاول «الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة» شقّ طريقها في إرساء أدوات التفكير الفلسفي وإنجاز هذا التفكير في مؤلفات جماعية، شاركتُ في البعض منها، وتعذّر لي المشاركة في أخرى نظراً لمشاغل موازية ولأنّ نمط كتابتي يتطلّب الكثير من التريّث والبطء. أصدرت الرابطة العديد من المؤلفات الجماعية أو الفردية ومن بينها كتابي عن ميشال دو سارتو، ويبذل أصحابها الكثير من الجهد والكدّ في الاضطلاع بهذه المهمّة النقدية والنظرية. إنها في طريقها نحو سدّ الحاجة بالنسبة للمراجع التي يمكن أن يعتمد عليها الطلبة والباحثون والأساتذة في مختلف الميادين الخاصة بفلسفة اللغة والتاريخ والدين والسياسة وشخصيات هابرماس وإدوارد سعيد وعبد الرحمن بدوي ونيتشه وهايدغر، إلخ.هذا العمل الجميل هو عمل جليل، من ورائه الجدّ والكدّ، وممارسة نوعية في التعوّد على أدوات الكتابة الفلسفية وأساليب البحث والتحليل. الشيء الوحيد الذي حبّذتُ لو سار على منواله أصدقائي وشركائي في الرابطة هو أن تكون الكتابة من طرف متخصّصين، ممن لهم مصاحبة ومسامرة لعدّة سنوات مع بعض الفلاسفة أو بعض المباحث الفلسفية. أن “يتخصّص” الواحد منّا في فيلسوف خلال شهر أو شهرين ليكتب عنه، فهي أمانة ثقيلة، لأنّ المكتوب سيبقى وستقرأه أجيال، فإذا كان هنالك خطأ في قراءة أو تأويل الفيلسوف المعني، فهو على عاتق من كتب عنه ولأجل حدث طارئ وعابر هو زمن التدوين في كتاب جماعي. ليست الكتابة الفلسفية كغيرها من الكتابات، لأنها تتطلّب الحكم والرصانة وتستدعي الحذر في الأحكام والتأويلات، ولأنها ليست أمام مادّة قابلة للملاحظة والتجريب، ولكن إزاء مفاهيم ومقولات مجرّدة لها خبايا ورهانات، ولها تاريخ وسيرورة؛ وبالتالي يتطلّب الأمر معرفة المداخل والمخارج وأن يكون الباحث على دراية بهذه الملابسات ويعرف كيف يحدّدها ويُبرزها ويبني عليها. رغم ذلك أشيد بما يقترحه شركائي من موضوعات وأدوات للتعوّد على الفكر الفلسفي، خصوصاً وأنّ الدكتور إسماعيل مهنانة والدكتور علي عبود المحمداوي لهما رصيد معرفي هائل واشتغلا على فيلسوفين معروفين بالصرامة المفهومية والدقّة النظرية وعنيتُ هايدغر وهابرماس. يعود الشرف إليهما في إدارة الرابطة والدفع بها نحو الابتكار الفلسفي العربي.

 هل تراهن على القراءة الحداثيّة للنصوص الدينيّة مخرجًا من الأورثودوكسيات المحدثة؟

نعم بكل تأكيد، والعلّة في ذلك أنّ زمان النص يختلف عن زماننا. عندما نقرأ النص الديني فإننا ننطلق دائماً من الحاضر الذي نحن فيه، بأدواته وملابساته.لا يمكن أن نحيا في زمان النص سوى بضرب من التخيّل، ونظام الخيال يختلف في البنية والوظيفة عن نظام الواقع. عندما نقول “قراءة حداثية” فإننا نقصد قبل كل شيء الحديث العهد، الحدث، أي الحاضر الذي نحيا فيه. كُنت في كتابي «إزاحات فكرية» (2008) قد قُمت بالمماثلة بين الحداثة والحدث لغرض لغوي بديهي وهو الجذر المشترك، ولغرض تاريخي وهو أنّ الحداثة هي بالتعريف زمن جديد، ثورة على القديم، انطلاقة فريدة. كل حدث هو بالتعريف حدث “فريد”، لأنه يفتتح زمناً جديداً، يؤسّس لحالة وجودية أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية جديدة. كذلك الحداثة كانت عصراً فريداً من حيث القوة النظرية والإرادة السياسية والحضارية، فقامت بوضع التراث على محك النقد والمراجعة، خصوصاً مع رواد الأنوار على غرار فولتير في فرنسا وكانط في ألمانيا. لكن ما معنى أن نقرأ النص الديني قراءة حداثية؟ لا ينبغي أن ننبهر بالمفردات ونسجن أنفسنا فيها كالفريسة في نسيج العنكبوت. قراءة حداثية لا تعني، من وجهة نظري، قراءة “عصرية” في مقاربة نص “قديم”. أتفادى الثنائيات التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة وأحبّذ أن أقول قراءة “راهنة” في مقاربة نص “تراثي”، لأنني آخذ الراهن كرديف للحدث: “نحن بالذات”. فما هذا الحدث الذي هو نحن بالذات؟ إنه الشرط الوجودي الذي نحياه بهياكله وبنياته، بإراداته وأدواته، بوسائله وتصوّراته. وما نحياه في الحدث هو تنوّع الأجهزة، تعدّد المفاهيم والمقولات، أي حركة الأفكار التي لا تنضب. هذا الكم الهائل من مناهج ومفاهيم وأساليب من شأنه أن يفيد في قراءة النص الديني الذي له، هو الآخر، معقولية وبنية وسياق. عندما نقرأ هذا النص، فإننا نحقّق نتيجتين على الأقل: أولاً، استحضار زمن النص في زماننا بفحص بنيته وفهم مضامينه: مسألة تجديده، نقده، تأويله، تفكيكه هي شأن آخر يخص أداة المقاربة لا المقاربة بالذات، لأنني أتكلم هنا عن الاحتكاك أو التماسّ بالمعنى الفينومينولوجي للكلمة، هو بروز شيء لوعينا، لنا به نمط معيّن من العلاقة: يمكن أن تكون علاقة “إبستمولوجية” في شكل نظرية المعرفة (الذات/الموضوع)، علاقة “أنثروبولوجية” في شكل نظرية الإنسان (الأنا/الآخر)، علاقة “إيديولوجية” في شكل نظرية التاريخ (الهوية/الغيرية)،إلخ. لا ننسى أنّ النص الديني (أو التراث عموماً) هو أيضاً “الآخر” بالنسبة للنحن حتى وإن كان في نطاق هويتنا: هو الآخر بالنسبة لشرطنا الوجودي الراهن؛ ثانياً، الاشتغال على الذات بتثوير الأدوات، لأن الاحتكاك بالنص من شأنه ليس فقط أن يُبرز قيم هذا النص ودلالاته ورؤيته للوجود تبعاً للزمن الذي طرأ فيه، ولكن يكشف أيضاً عن قيم القراءة ومحتوياتها وعن رؤية الذات للعالم الذي تنخرط فيه. فهذا الاشتغال على الذات هو ما يسمّى في الأوساط السوسيولوجية بالانعكاسية (réflexivité) ومن شأنه أن يضع الذات على محك القراءة من جراء قراءة الموضوع؛ فهي نوع من “قراءة القراءة” لتبيان رؤية الذات للعالم وأثر هذه الرؤية في قراءة النص التراثي. كما ترى، أخذتُ الحداثة في حرفيتها كفلسفة في الحدث بالمعنى الذي أوردته في كتابي «إزاحات فكرية». أما إذا تعلّق الأمر بقراءة “حداثية” بالمعنى التاريخي للكلمة، أي استعمال قيم العقل والحرية والتقدم والإنسانية كما شاعت في عصر الأنوار لقراءة النص تراثي، فهو أمر مشروع، ولكن سيسقط، بشكل أو بآخر، شعورياً أو لا شعورياً، في الثنائية التي نبهتُ عليها، وهي اعتبار الحداثة كشيء خيّر في ذاته، مستنير بمحض دلالته، يَعلى ولا يُعلى عليه، لأنه الدليل والمرشد، المبدأ والمنهج؛ واعتبار النص التراثي كشيء مبهم وأسطوري، معتم ورجعي، إلخ. ينبغي الأخذ بما يسمّيه كواين “مبدأ الإحسان” (principe de charité) وهو أن نعتبر النص الذي نقرأه حامل معقولية ضمنية، لأنه نتاج إنسان عاقل ومفكّر. تطوُّر أدواتنا في العلوم التاريخية والإنسانية لا يجعلنا في وضعية أرقى من القدماء، وبالتالي قراءة تراثهم على أنه أساطير أو خزعبلات هو تعسّف. يتوجّب بالأحرى تعديل الرؤية ومحاولة إيجاد ميزان في الاعتدال. عندما أوردتُ سابقاً النتيجتين من قراءة النص التراثي، فإنني أضع بذلك وقايتين: الوقاية الأولىهي درء مزاعم الرؤية الحداثية على أنها الرؤية العليا والكونية، أي العقل في مواجهة اللاعقل، التقدم في مواجهة التخلف، الحرية في مواجهة القهر وغيرها من الثنائيات العقيمة؛ الوقاية الثانية هي استبعاد الأرثوذكسيات التي تَعتبر كل قراءة للنص الديني على أنها تشويه في مضامينه، تحوير في مبادئه، إهدار في حقه، طعن في روحانيته، إلخ. إذا كان النص التراثي له “معقولية” تبعاً لمبدأ الإحسان (أو حسن الظنّ)، فإننا نستبعد من يقول بأنّه خرافي أو أسطوري أو رجعي، ونستبعد أيضاً من يقول بأنه روحاني، ميتافيزيقي، متعالي، مقدّس، إلخ. أن تكون له “معقولية” ليس بالضرورة أن تكون له “عقلانية”، تبعاً لفهمنا المعاصر لهذه العقلانية. معقوليته هي انسجامه الداخلي بين بنيته ووظيفته، بين هيكله ومضمونه وأن له رؤية في الوجود ومحفّز على الأداء. أن يوافق أذواقنا أو لا يوافق، فهذا شأن آخر. لكن يتطلّب الأمر دائماً وضعه في سياقه ومعقوليته وأن نشتغل بدورنا على معقوليتنا.

كنتَ قد تساءلت في مقالٍ لك نُشرَ بموقع الأوان عن مآلات الزمن العربي الرّاهن أو – هل الزمن العربي على خطى الزمن الأوروبي الحديث – وقد وازنت بين إرهاصات عصر التنوير الأوروبي وما يمكن أن نسمّيه تجوّزًا بعصر التنوير العربي (الأفغاني – عبده – مالك بن نبي – عبد الرحمن بدوي – زكي نجيب محمود - الجابري – أركون ...). تُرى هل ستأتي مجهودات مفكّرينا أكلها في سبيل نهضة عربيّة معاصرة خاصّة وقد استفحل داء التعصّب والدوغمائيّة في الشعوب العربيّة وعُلّقت الانتفاضات بين غول الأصوليات القروسطيّةوشبح المؤامرات الخارجيّة؟

عندما طرحتُ الفكرة، فإنني كنتُ أقصد التماثُل في الأزمنة رُغم الاختلاف في التواريخ لأضع فارقاً بين الزمن والتاريخ رغم أنّ أحدهما لا ينفك عن الآخر. فالزمن يقتضي الأخذ بالبُعد الإنساني المشترك في وحدته النفسية والإدراكية، فيما يشتمل التاريخ على البُعد الموضوعي بالتقسيم في العصور والثقافات والجغرافيات والانتماءات.أعطف هذا السؤال على السؤال حول الاستقلال الفلسفي، وهو أنّ المجهودات السابقة لا يمكنها أن تأتي أكلها ما لم يُضف إليها النضال الفعلي والواقعي لمؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وشباب ومربّين. من الأجدى أن ينخرط “الإنسان العادي” في كتابة التاريخ المعاصر للزمن العربي، ولا يكتبه فقط القلم النخبوي. لأنّ التغيير الذي حصل


على مستوى النظرية على ألسنة وأقلام ثلة من المفكرين والفلاسفة الذين ذكرتهم لا يمكنه أن يصبح تغييراً على مستوى الواقع ما لم يتم إشراك الإنسان العادي والوساطات المتعدّدة للمجتمع المدني. ويذكّرني هذا الأمر بتفسير كانط لمقولة «ذلك جميل على مستوى النظرية، لا على صعيد التطبيق» (نظرية وممارسة، 1793). إنّ التنظيرات الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية التي قدّمها المفكرون العرب من قبل يمكنها أن تساهم في تشكيل تصوّر منسجم حول الزمن العربي الراهن، وجاء الوقت لترجمة هذا التصوّر إلى سلوك؛ وعندما أتحدث عن الترجمة فلا أقصد فقط الترجمة اللغوية، وإنما أيضاً الترجمة الفكرية؛ أن يكون للأفكار تجسيد وتعيّن، أن يتم تعقّل هذه الأفكار مثلما نظّر لها الفيلسوف التونسي فتحي التريكي، التعقّل بالمعنى الأرسطي للحصافة والحكمة العملية التي أشرتُ إليها سابقاً. ما معنى ذلك؟ ماهي هذه الحصافة أو التعقّل الذي نتحدّث عنه؟ يتعلّق الأمر بإقحام العقل في السلوك، بجعل العقل هو “وجه” الزمن العربي، وأيضاً “الوجاهة” في التحليل والتقدير ووزن الأشياء بميزان الاعتدال، وأخيراً “التوجيه” بأن يكون المرشد والدليل. لكن كيف وضع العقل في صُلب زمن لا يزال يحتكم إلى الأطر الذهنية العريقة القائمة على العصبية والولاء والعنفوان في السلوك والاستسلام للقدر؟ لا أقول بأنه ينبغي “ميشال فوكو عربي” لكي يقرأ هذه الجوانب المقابلة للعقل والمناهضة له، كأشياء إدراكية وسلوكية غير شعورية، غارقة في العادة المتكرّرة لأنها متجذّرة في الذهن والسلوك؛ يمكن ذلك لمن له النفَس القويّ والرؤية الثاقبة، لكن تمرّ المسألة قبل كل شيء بالإنسان العادي في صيغته الجماعية وأقصد المجتمع المدني والفضاء العمومي؛ بالمقاومة وبالمحادثة، بالتعوّد على أدوات السجال الديمقراطي واستعادة الحق في الكلام السياسي بعدما تعرّض هذا الكلام للمصادرة والتكميم وقت الأنظمة العاتية. لماذا صيانة الكلام والتعويل على الحوار؟ لسبب بسيط وهو أنّ الكلام هو عينه التفكير، وهذا معروف منذ أرسطو. القول هو العقل، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي نعته أرسطو على أنه حيوان سياسي يتميّز بالكلام، أي بالتفكير والتداول في سوق المبادلات النظرية من مشاورة ومداولة وقرار وتنفيذ. إذا فهمنا أنّ الكلام هو جوهر العقل، فإننا ننقذ العقل ولا نجعله مجرّد فكرة طوباوية أو حقيقة مجرّدة. والعلّة في ذلك مزدوجة: أولاً، تقريب النخبوي من العادي بردم الهوّة بين المكتوب والشفهي، بين العالم والعامل، بين المثقف والإنسان العادي، وأن تكون صناعة الزمن العربي تشترك فيها كل القوى وليس فقط مصادر التشريع أو منارات الأكاديميات والجامعات أو دوائر القرار السياسي والتكنوقراطيات؛ ثانياً، التركيز على الكلام هو مغادرة الطفولة العقلية نحو الرُشد الفكري كما أقرّ كانط في رسالة «ماهي الأنوار؟» (1784)، وكانت اللغة اللاتينية ذكية عندما جعلت من “عدم” (in) “الكلام” (fari) هو “الطفولة” لأنّ الطفل لا يتكلّم (infans).ولا يخفى على أحد أنّ المجتمع الرازح تحت القهر السياسي والدكتاتوري هو “مجتمع-طفل”، فهو لا يتكلم، عن خشية أو بالقوّة، لأنّ الحاكم يتكلّم في مكانه ويقرّر رغماً عنه، مثلما يتكلّم ولي الأمر في مكان الطفل الذي يرعاه.والأمر نفسه ينطبق على الجماعات المتعصّبة أو الأحزاب الدينية التي تريد استنساخ نفس الحماقات التي وقعت فيها الأنظمة الاستبدادية وهي نزع الكلام، أي التفكير، من المواطن ومن المجتمع ككل. والكلام هو جوهر العقل، لأنه أسّ الإنسان وأساسه. لا أحد يتكلّم سوى الإنسان، فهي حقيقته وهويته. ومن ينزع الكلام عن الإنسان، فإنه ينزع عنه بشريته وإنسانيته. عندما كتب ميشال دو سارتو في تعليقه على ثورة الشباب الفرنسي في ماي 1968 هذه الفقرة: «في ماي الماضي، أخذنا الكلام مثلما أخذنا الباستيل سنة 1789»؛ فإنه كان يُدرك أنّ الكلام هو أعظم كائن في هذا الوجود (لنتذكّر ابن عربي وكلمة “كن” التي كان بها التكوين، فأرجع وجود العالم إلى الكلام؛ ولنتذكر أيضاً حنه أرندت التي جعلت من الكلام معجزة إلى جانب الفعل البشري)، لأنه حيّ، عفوي، أصلي، افتتاحي، يفتتح الوجود ويعيد ابتكار الحياة اليومية في كل دقيقة ورقيقة. الكلام هو مبتكرالحقيقة وهو بالتعريف مؤسسة بشرية. تكمن الحصافة في كيفية تهذيبه وعقلنته، ليكون كلاماً فردياً وجماعياً من أجل بناء الأفكار وإنشاء المشاريع، ولا يرتد إلى مجرّد صوت، وصدق من قال «العرب ظاهرة صوتية». أن ننتقل من الصوت إلى الكلام، ذلك هو الرهان والبرهان، وهو مسألة “إنسان”، لا نخبة ولا داعية ولا حاكم ولا «الناطق باسم..».


 


 شهدت البلاد التونسيّة مؤخّرًا حرق وتحطيم أكثر من 37 زاويّة صوفيّة. باعتبارك مهتمًّا بالعرفان المسيحي (دو سارتو) والتصوّف الإسلامي (ابن عربي) كيف يمكن أنْ نحدّد دلالة هذه الهجمة العنيفة على الطرق الصوفيّة (التي تعبّر عن التديّن البسيط والمتسامح) من قِبل مجموعات تقتدي بالثورة الوهابيّة في الحجاز (تمّت مثل هذه الهجمات في مالي وليبيا أيضًا). هل هي ثورة الفهم الواحد على الصراطات المستقيمة والحقائق المتعددة بتعدّد السالكين؟


ليس لهذه المجموعات الإسلامية ثقافة الاختلاف والتنوّع. كتب ابن السّيد البطليوسي في «الإنصاف» هذه العبارة الجميلة: «إنّ اختلاف الناس في الحقّ لا يوجب اختلاف الحقّ في نفسه؛ وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والقياسات المركّبة عليه، والحقّ في نفسه واحد». وكان ابن عربي يقول بأنّ الطرق الموصلة إلى الله على عدد أنفاس الخلق؛ أي كل إنسان له علاقة ذاتية بالإله، له طريق إليه، حسب طاقته وإدراكه. في الوقت الذي يوسّع فيه التصوف الآفاق الرحبة، تقوم هذه المجموعات بالتضييق على الناس وخنقهم وتهديدهم. ثم هل يُعقَل أن يكون هنالك إيمان، اعتقاد، هداية تحت القهر والتهديد؟ ألا تصنع طرائق العُنف إنساناً مغترباً ومنافقاً، لأنّه لا يؤمن عن قناعة، بل بالسيف؟هذا سلوك هذه المجموعات الذي هو سلوك سلطوي، قهري، استبدادي لا يترك للإنسان حرية الاختيار والقرار. والنتيجة هي خطيرة، مهوّلة، مَرَضية؛ وكأنّ هذه المجموعات تشخّص الإله في ذاتها لتتكلّم باسمه وتحلّ في مكانه. ونعرف تاريخياً أنّ كل الأشكال الشاذّة من القهر والعنف التي مارسها الإنسان على الإنسان، في السياسة كما في الدين، هي الأشكال التي جسّد فيها شخص أو لاهوت أو نظام “الإله” في ذاته، ليرى برؤيته ويتصرّف بفعله، فيخرج عن بطانته البشرية ويغادر إنسانيته ليصبح “لاإنسانياً”. غير أنّ فهم الدين هو دائماً في حدود الطاقة البشرية، إذا تعدّى ذلك أصبح عدوانية ووحشية. هذا ما لم تفهمه، ولا تريد فهمه، هذه المجموعات الوهابيةالمستغرقة في أوهامها والمنغمسة في جنونها، لأنّ الغاية القصوى عندها ليست احترام الناس في خصوصيتهم الذهنية والسلوكية بل التسلّط عليهم وهدم أحلامهم وخنق أجوائهم. كان ابن عربي يقول أيضاً بأنّ كل إنسان يجد الإله في رمز أو شيء يتحبّب إليه، فقد يجده في جمال الطبيعة أو حركة البشر أو جلال الكون أو محاسن إنسان، إلخ. فله تجليات في خلقه، وما الزوايا والأضرحة سوى هذا “المجلى” الذي يميل إليه الإنسان ويجد الإله بقربه، على حسب طاقته وقُدرته. وعرفت الكنيسة الكاثوليكية قيمة الرمز عند الإنسان، لأنّ الإنسان “حيوان رمزي” كما كتب إرنست كاسيرر؛ فالإنسان لا ينفكّ عن التخيّل والتقرّب إلى الإله في “المجالي” المتعدّدة، لأنه يفهمه بفهمه الإنساني المحدود ولا يُدرك الفهم الإلهي المطلق؛ لهذا أجازت الكاثوليكية التقرّب إلى الأولياء من بين القديسين كأغسطين وفرنسيسكو الأسيزي وأنطوان البدوي (من مدينة “بدوة” أو بادوفا الإيطالية). لا يمكن تحميل الإنسان العادي فوق طاقته، خصوصاً في الحياة اليومية كالنساء والأطفال والشيوخ الذين يقتربون من الله بالتقرّب إلى الأولياء، ليس لعبادة هؤلاء الأولياء، لأنّ القصدية لا تشوبها شائبة شرك، فالقصد موجّه إلى الإله وما الوليّ سوى علامة أو رمز. فقط الإنسان هو كائن يتخيّل، حيوان رمزي، ولا بدّ له من رموز وعلامات وإشارات تدلّه على معبوده. عندما خلت المسيحية من الرمز بظهور الإصلاح البروتستانتي، الذي هو الآخر ضدّ قداسة الأولياء وضدّ التجسيد، أصبحت هذه المسيحية عبارة عن “سلفية مقيتة” خصوصاً في الأزمنة المعاصرة في أمريكا حيث لا وساطة بين العبد والإله عندهم، فكانت النتيجة أن أفرغت الإنسان من محتواه الرمزي، فأصبح إنساناً بلا خيال ولا شاعرية ولا ذوق، وإنما مجرّد “أداة” يحركّها المذهب على يدّ القَدَر. لهذا الغرض تعجّبتُ من التماثل الموجود بين زمن الإصلاح البروتستانتي وزمن المذهب السلفي عندنا، حيث يسود السلوك “الإيكونوكلاستي” الرافض للصورة وللتجسيد وللوساطة، والميل الدفين نحو المال والاغتناء. يمكن النظر إلى ذلك بالاطلاع على فكرة ماكس فيبر حول ظهور الرأسمالية المتواقت مع الإصلاح البروتستانتي، وعندنا ينعطف المذهب السلفي-الوهابي على المال والمعلومة (الاغتناء والفضائيات) ليعزّز من مذهبه ويوسّع من سيادته. حلّ “المال” محلّ “الرمز” فأجهز على الخيال؛ حلّ الكمّ محل الكيف فقضى على التنوّع: المال الذي يتسلّح به السلفي (المسيحي منه والإسلامي) هو لتعزيز القوّة والشوكة وإفراغ الإنسان من محتواه الرمزي فيحمله على الإيمان بحرفية النصوص، وهو ما سمّيته “الظاهرية الغبيّة” (عندما يقول لك الداعية الإسلامي بأنّ النص قال بأنّ الأرض مسطّحة حتى ولو أظهر التلسكوب والقمر الصناعي على أنها دائرية، أليس هذا بغباء؟)، في مقابل “الظاهرية الذكيّة” التي أخذ بها القدماء مثل ابن حزم ووليام الأوكامي. والاعتداد بالمال من أجل بسط الهيمنة وهدم الخيال بالمعلومة والفضائيات من شأنه أن يتحوّل إلى شعائر في الكميّة (الإكثار من المال بالمتاجرة، الإكثار من الإنجاب لتعزيز العصبية) تخلو من كل جمالية ونوعية. إنه عَصَب الهيمنة السلفية المعاصرة: المالية والديموغرافيا لتوسيع السيطرة بالكمّ الهائل وقتل التنوّع والتخيّل والاختلاف. 



 في النهاية نشكر لك صبرك وطول أناتك على أسئلتنا. راجين أن تعطينا لمحة عن مشاريعك المستقبليّة تأليفًا وترجمةً.



الشكر لكم واستمتعتُ بالأسئلة المطروحة ذات بلاغة ودقّة. هناك مشاريع متعدّدة أثابر من أجل تجسيدها وعدوّي هو الوقت. فالمشاريع تتكاثر والوقت قصير ويمرّ بسرعة. رغم ذلك أحاول التقدّم بحزم. من بين الأعمال التي أعكف على إنجازها هناك ترجمة «كتابة التاريخ» لميشال دو سارتو. كذلك أسعى للانتهاء من محاولة ابتدأتُ فيها السنة الماضية حول فلسفة الثقافة. وصل التدوين لحد الآن 300 صفحة*، وأحاول أن تكون دراسة جامعة حول فكرة الثقافة وعلاقتها بالفلسفة بالاعتماد على نماذج في الفكرين الغربي والعربي. جاءت الرغبة من كون أنّ هذا المبحث شبه غائب في الفكر العربي المعاصر. الدراسات حول الثقافة من وجهة نظر سوسيولوجية وأنثروبولوجية هي ضئيلة، ومن وجهة نظر فلسفية تكاد تنعدم. لماذا فلسفة الثقافة؟ لأنني أبرز في الكتاب أنّ مستقبل الإنسان هو الثقافة بعدما خذلته السياسة والإيديولوجيا والمذاهب الدينية؛ ولأنني أجعل من الثقافة كبديل عن الهوية، والثقافة هي ما يسمح للذات من مغادرة منغلق الهوية نحو منفتح الرمز واللغة والقيمة. والمحاولة الأخرى التي أضع لها بعض الأسس النظرية هي الجزء الثالث من مشروع «تأويلات وتفكيكات» وعنوانه «الهيئة والهيكل» وأناقش فيه صراع الحق والحقيقة في التاريخ الفكري الإنساني. يتطلب هذا الكتاب الكثير من الجهد والوقت، لهذا السبب أكتبه في الزمن ولا أضع لنفسي آجالاً محدودة.


 

•صدرت المحاولة بتاريخ 23-10-2013 تحت عنوان “الثقاف في الأزمنة العجاف : فلسفة الثقافة في الغرب و عند العرب” . منشورات ضفاف

تم النشر بالتنسيق مع جمعية الاوان

صور اخرى
اضيف بواسطة : Admin عدد المشاهدات : 2122 طباعة الصفحة

التعليقات


اترك تعليقا ...
الأسم
البريد الألكتروني
نص التعليق
رمز التحقق
مقالات اليوم